هذا أبو هُرَيرَة!... فاعرٍفُوا له فَضْلَهُ وسابِقَتَهُ!!:

هذا أبو هُرَيرَة!... فاعرٍفُوا له فَضْلَهُ وسابِقَتَهُ!!:

1ـ هو أبو هريرة، وهي كُنْيَتُهُ التي اشتهرَ بها، روى الترمذي بسند حسن (رقم 3840) عن عبد الله بن رافع قال: (قلت لأبي هريرة: لِمَ كُنِّيتَ أبا هريرة؟ قال: ...كنتُ أرعى غنم أهلي، وكانت لي هُريرةٌ صغيرةٌ، فكنتُ أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبتُ بها معي، فلعبتُ بها، فكنَّوْنِي أبا هريرة).

وكان النبي (صلى  الله عليه وسلم) يدعوه مرة: (أبا هريرة!)، ودعاه مرةً: (أبا هِرٍّ!).

2ـ اسمه في الجاهلية: عبد شمس، واسمه في الإسلام: عبد الرحمن بن صخر على الأصَح.

3ـ أمُّهُ هي أُمَيْمَة بنت صُبَيْح، وقيل: ميمونة، أسلمت وماتت مسلمةً.

4 ـ هو يَمَانيٌّ، مِن قَبِيلَةِ دَوْسٍ، فهو دوْسيٌّ. قال المُعَلِّمِيُّ اليماني: (هو من قبيلة شريفة كريمة عزيزة)اهـ.

5ـ المشهور في إسلامه أنه أسلم عام خيبر، في السنة السابعة، ولكِن ذكر بعض المحققين أنه أسلم قبلَ ذلكَ، قال ابن هبيرة في الإفصاح (6/35): (أَسْلَمَ أبو هريرة على يَدَي الطفيل بن عمرو الدَّوْسِيِّ)، وَقال العلامة المعلمي اليماني (رحمه الله) في الأنوار الكاشفة: (في الصحابة الطُّفَيْلُ بنُ عمرو الدَّوْسِيُّ وهو مِن رَهْطِ أبي هريرة...، أسلمَ قبلَ الهِجرة وقصتُه مطولة في السيرة وغيرها، وفي ترجمته من (الإصابة) أنه لما عاد بعد إسلامه إلى قومه - وذلك قبل الهجرة بِمُدَّةٍ- دعا قومه إلى الإسلام فلم يُجِبْهُ إلا أبوه وأبو هريرة، فعلى هذا يكونُ إسلامُ أبي هريرة قبلَ الهجرة، وإنما تأخرت هجرتُه إلى زمنِ خبير)، وقال: (قَدَّمْتُ القولَ بأنه أسلَمَ في بلدِهِ قبلَ الهِجرة، وبهذا يكونُ مِن السَّابِقِين إلى الإِسلام، ولم يثبُت ما يُخالف ذلك. فأما من قال: أسلم عام خيبر، فإنما أراد هجرته وقد ثبت في خَبَرِ هِجرتِه أنه قدِمَ مُسلماً، فأما الهجرةُ فهو مُهاجِرٌ حَتْمًا وإن لم يكن مِن قُريش ولا مِن أهل مكة).

والخلاصةُ: أبو هريرة مِن السَّابِقِين الأوَّلِينَ ومِن المهاجرينَ.

6ـ قدم أبو هريرةَ المدينةَ مهاجرًا سنةَ سبعٍ، ولهُ نَحوُ ست وعشرين سنةً، كما قرَّبَهُ المعلمي اليماني.

7ـ روى الترمذي بسند صحيح (رقم 3838) من طريق أبي العالية عن أبي هريرة قال: (قال لي النبي (صلى الله عليه وسلم): ممن أنتَ؟ قال: قلتُك مِن دَوْسٍ. قال: ما كنتُ أَرَى أنَّ في دَوْسٍ أحدًا فيهِ خَيْرٌ).

8ـ نشأ أبو هريرة يتيمًا، وعاشَ فقيرًا، هاجَرَ من بلاده إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، خرج مع غلام لهُ، فضَلًّ عنهُ غلامُه وضَلَّ هُو عَن غُلامِهِ، وفي أثناء سَيْرِه مَرَّ على بلاد بني سُلَيم أو قريبًا منها، فوجد رُفقةً راحِلِينَ نحو المدينة - وفيهم بُسرَة بنتُ غزوان أخت عتبة بن غزوان السلمي-، فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويُطعِمُوهُ، ويركبُ معهم بالتعاقب، قال (رضي  الله عنه): (إِنِّي كُنْتُ أَجِيرًا لبُسرة بِنْتِ غَزْوَانَ بعُقبةِ رِجلي وطعامِ بَطْنِي فَكَانَ الْقَوْمُ إِذَا ركِبُوا سُقتُ لَهُمْ وَإِذَا نزلُوا خَدَمْتُهمْ)[التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (رقم 7106)].

 وَفي القصة منقبةٌ له، حيثُ أنهُ أَخْدَمَ نفسه وأَكْرَاهَا وأَجَّرَهَا وهي العزيزةُ الكريمَة؛ لِيَبْلُغَ إلى النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) ودارِ الإِسلام....

9ـ وفي سبيل الله ما لاقَى أبو هريرةَ في سفره الطويل هذا... ولكنه يهونُ لأنه من أجل اللهِ، وَوصولُهُ إلى النبي وبُلوغُهُ دارَ الإسلام ونَجَاتُهُ مِن دارِ الكُفرِ؛ أَنْسَاهُ كلَّ جَهْدٍ ومشقةٍ، روى البخاري في الصحيح (رقم 2531) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: (لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:

يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا * عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ...).

10ـ ومَنقبةٌ أُخرَى لأبي هريرةَ؛ قَالَ في تتمة الحديث السابق: (... وَأَبَقَ مِنِّي غُلاَمٌ لِي فِي الطَّرِيقِ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) بَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ، إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غَُلاَمُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ).

وهذه المنقبةُ: (أنهُ مع قِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ أَعتقَ غُلامَه، شُكرًا للهِ تعالى على إِبْلاَغِهِ مَقْصِدَهُ). قاله المعلمي اليماني.

11ـ عاش أبو هريرة فقيرًا وسكن الصفة؛ وأهل الصفة هم من لا مأوى لهم ولا مال ولا أهل، فاتخذوا لهم مكانًا بجَنْبِ مسجدِ رسولِ الله (صلى الله عليه وسلم)...

12ـ لزمَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وواظَبَ عليهِ:

                    ـ راغبًا: في العِلْم يسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

                    ـ راضيًا بشِبَعِ بَطْنِهِ؛ أي قانعًا بأكلةٍ يُطعِمه إياها رسول الله؛ يملأُ بها بطنه الفارغ، وهو القائل (رضي الله عنه): (لقد رأيتُنِي أُصْرَعُ بَينَ مِنبرِ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحُجرة عائشة، فيُقال: مجنونٌ، وما بِي جُنُون... وما بِي إلا الجُوع).

وقال أبو هريرة: (...إنما كنتُ أَلْزَمُ النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) لِكلمةٍ يُعَلِّّمُنِيهَا، ولِلُقْمَةٍ يُطْعِمُنِيهَا) [أحكام الجنائز للألباني (ض69)].

13ـ وهذه شهادةُ عبد الله بن عمر في أبي هريرة، روى الترمذي (رقم 3836) بسند صحيح عن ابن عمر أنه قال له: (أنتَ كنتَ أَلْزَمَنَا لرسولِ الله (صلى الله عليه وسلم) وأَحْفَظَنَا لحَدِيثِهِ).

فأبو هريرة أَحْفَظُ أصحابِ محمدٍ (صلى الله عليه وسلم).

14 ـ قالوا: أكثرَ أبو هريرةَ!... حيثُ كان كثيرَ التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وبالرجوع إلى أجوبته (رضي الله عنه) وأجوبةِ غيرهِ يتلخص لنا خمسةُ أمور، هي العِلَّةُ التي من أجلها: أكثرَ أبة هريرةَ:

أ ـ تفرُّغُهُ (رضي الله): فلم يكن له شغل سوى ملازمة الرسول وسماع العلِم، قالَ: (إنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) بِشِبَعِ (لِشِبَعِ) بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ). وفي لفظ: (وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ) [البخاري ومسلم]، وقالت له عائشة يومًا: (إنك لتحدث بشيء ما سمعتُهُ، قال: يا أُمَّهْ، طَلَبْتُهَا، وشغلَكِ  عنها المُكْحُلَة والمِرآة، وما كانَ يشغلُني عنها شيءٌ).

ب ـ عدمُ نسيانه لِمَا سَمِعَهُ: قال أبو هريرة: (قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): مَن يَبْسُط ثوبَه فلن ينسى شيئًا سمعه مني. فبسطتُ ثوبي حتى قضى حديثه، ثم ضَمَمْتُهُ إليَّ فما نَسِيتُ شيئًا سَمِعتُهُ مِنْهُ)[لفظ مسلم].

وروى النسائي في الكبرى بسند جيد: أن رجلاً جاء زيدَ بنَ ثابت فسألهُ عن شيء، فقال له زيدٌ: عليكَ أبا هريرة؛ فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم نَدعُو اللهَ ونَذكُرُ رَبَّنَا، خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى جلس إلينا فسَكَتْنَا، فقال: عُودُوا للذي كُنتُم فِيهِ. قال زيدٌ: فدعوتُ أنا وصاحِبِي قبلَ أبي هريرة، وجعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُؤَمِّنُ على دُعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثلَ ما سألك صاحباي هذان، وأسألُك عِلمًا لاَ يُنْسَى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): آمين. فقال: يا رسول الله، ونَحنُ نَسألُ اللهَ عِلمًا لاَ يُنْسَى، فقال: سَبَقَكُم بها الغُلامُ الدَّوْسِي.

قال الذهبي في السير (2/594): (وكان حِفظُ أبي هريرة الخَارِق مِن مُعجِزات النُّبُوَّة)اهـ.

ج ـ وعلَّةٌ أخرى في إكثار أبي هريرة، وهي شهادةُ رسول الله لهُ بأنه حريصٌ على العلم والحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ [البخاري (رقم 6570)].

د ـ جُرْأتهُ (رضي الله عنه): روى أبو داود (رقم 1146) بسند صحيح، أنه قيل لابن عمر: هل تنكر شيئاً مما يقول؟ قال: لا؛ ولكنه اجْتَرَأَ على الرِّوَايَة وَجَبُنَّا! فبلغ ذلك أبا هريرة، قال: فما ذنبي إن كنتُ حفِظتُ وَنَسوا؟!... فكثير من الصحابة كانوا يتهيبون الحديث ويتخوفون من الرواية ويقولون: الحديثُ عن رسول اللهِ شديدٌ!.. أما أبو هريرة (رضي  الله عنه) فكان جَرِيئًا في نَشْرِ العِلْمِ جَرِيئًا في التحديثِ عن النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم).

هـ ـ خَوْفهُ مِن الدخول فيمَن كتَمَ العِلم فيأْثَم:  قال (رضي الله عنه): (واللهِ لولا آيَتَانِ في كتابِ اللهِ تعالى ما حدثتُ عنهُ – يعني: عن النبي (صلى الله عليه وسلم) شيئًا أبدًا؛ لولاَ قولُ اللهِ: ﴿إن الذين يَكْتُمُونَ ما أنزل اللهُ مِن الكتاب...﴾ إلى آخر الآيتين [البقرة 174 و 175 ]، [البخاري ومسلم].

فهذه الأُمورُ التي هِيَ وراءَ إِكْثَارِ أبي هريرةَ...

15ـ كان أبو هريرة (رضي الله عنه) على جانبٍ عظيمٍ من الصِّدق والدِّيَانَة والورَع، وهو واحدٌ من الصحابة الذين عدَّلهم الله وزكَّاهُم واصطَفاهم لدِينِهِ وحَمْلِ رسالةِ نبيِّهِ والقيامِ بها من بعدِهِ... وما كان أهلُ العلم من الصحابة وغيرُهم يشُكُّونَ فيما جاءَ بهِ من الروايةِ والحديثِ، روى الحاكم بسند صحيح عن حذيفة قال:  قال رجلٌ لابن عمر: إن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله؟ فقال ابن عمر: أُعِيذُكَ باللهِ أن تَكُونَ في شَكٍّ مِمَّا يَجِيءُ بِهِ! ولكنه اجترَأَ وَجَبُنَّا.

16ـ قال الإمام البخاري: رَوَى عنهُ نحوٌ مِن (800) رجل أو أكثر من أهلِ العِلم من الصحابة والتابعين وغيرهم اهـ.

17ـ روى أبو هريرة (رضي الله عنه) أحاديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يَسْمَعْها مِنهُ ولم يَشْهَدْهَا! وإنما سمعها من غيره من الصحابة، وهذا النوع من الرواية يقال له: مُرسلات الصحابة، ولم ينفرد بذلك أبو هريرة، بل أرسل غيرُهُ كما أرسلَ! وقد اتفقَ العلماء  على قبول مُرسلات الصحابة، ومُرسَل الصحابي عندهم كالمُتَّصِل [حاشية السندي على النسائي] وهو صحيحٌ حُجَّةٌ عند جميع العلماء إلا من شَذَّ [الاستذكار لابن عبد البر (4/36) وَشرح النووي على مسلم (1/198) و(2/197) وَهدي الساري لابن حجر (ص350 و378) وَسبل السلام للصنعاني]، حُكْمُهُ حُكْمُ المُسْنَد المَسْمُوع مِن النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) أو المُشَاهَد [شرح الحديث المقتفى لأبي شامة المقدسي]؛ ولا عيبَ فيهِ [سير أعلام النبلاء  للذهبي (2/608)]؛؛ لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول [التقييد والإيضاح للعراقي (ص75)]

قال الإمام ابن القيم في تهذيب السنن (2/71-72): (وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونُظرائه من الصحابة، مع أن عامتها مرسلة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولم يُنازِع في ذلك اثنان مِن السَّلَف وأهل الحديث والفقهاء)اهـ.

18ـ مِن فضائل أبي هريرة: ما روى مسلم (رقم 2491) وأحمد (رقم 8259) وابن حبان (رقم 7110) –واللفظُ لهُ- مِن طريق أبي كَثِيرٍ السُّحيميُّ؛ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: (أَمَا وَاللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مُؤْمِنًا - يَسْمَعُ بِي وَيَرَانِي - إِلاَّ أَحَبَّنِي. قُلْتُ: وَمَا عِلمُك بِذَلِكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِنَّ أُمِّي كَانَتِ امْرَأَةً مُشْرِكَةً وَكُنْتُ أَدْعُوهَا إِلَى الإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ما أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ وَأَدْعُوهَا فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (اللَّهُمَّ اهدِها)، فَلَمَّا أَتَيْتُ الْبَابَ إِذَا هُوَ مُجافٌ فَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ وَسَمِعْتُ خَشْفَ رَجُلٍ _ أَوْ رِجْلٍ ـ فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَمَا أَنْتَ وَفَتَحَتِ الْبَابَ ولبِست دِرْعَهَا وعجِلت عَلَى خِمارها فَقَالَتْ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَرَجَعْتُ إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْحُزْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ، فَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَكَ؛ قَدْ هَدَى اللَّهُ أُم أَبِي هُرَيْرَةَ! وَقَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبني أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (اللَّهُمَّ حبِّب عُبيدك وأُمه إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وحبِّبهُم إِلَيْهِمَا).

ترجم له ابن حبان بقوله: (ذِكْرُ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الإِيمَانِ). وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (11/366): (وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُحَبَّبٌ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ)اهـ. وقال ابن هبيرة في الإفصاح (8/200): (فهذا يدلُّ على أنَّ أبا هريرة مع دعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ أنَّ آيةَ الإِيمان حُبُّهُ؛ فإذا رأيتَ أحدًا مِن النَّاسِ لا يُحِبُّ أبا هريرة بعدَ هذا الحديثِ فَاتَّهِمْهُ)اهـ.

19ـ من فضائل أبي هريرة (رضي الله عنه)؛ أنه كان شاكِرًا لله ذاكِرًا لإنعامِهِ حامِدًا لهُ على إحسَانِهِ، قال مُضارب بْن حزنٍ: (بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مِنَ اللَّيْلِ إِذَا رَجُلٌ يُكَبِّرُ فأَلْحَقْتُهُ بَعِيرِي، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الْمُكَبِّرُ؟ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ! قُلْتُ: مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ: شُكْرًا. قُلْتُ: عَلَى مَهْ؟ قَالَ: عَلَى أَنِّي كُنْتُ أَجِيرًا لبُسْرَة بِنْتِ غَزْوَانَ بعُقبةِ رِجلي وطعامِ بَطْنِي فَكَانَ الْقَوْمُ إِذَا ركِبُوا سُقتُ لَهُمْ وَإِذَا نزلُوا خَدَمْتُهمْ، فَزَوَّجنيها اللَّهُ؛ فَهِيَ امْرَأَتِي الْيَوْمَ، فَأَنَا إِذَا رَكِبَ الْقَوْمُ رَكِبْتُ، وَإِذَا نَزَلوا خُدِمْتُ)[التعليقات الحسان (رقم 7106)]... قال المعلمي اليماني في (الأنوار الكاشفة): (وفي القصة عِبْرَةٌ بَالِغَةٌ، فإنهُ لَمَّا أَذَلَّ نَفْسَهُ بِخِدمَةِ تِلك المرأة استعانَةً على الهِجرةِ في سَبِيلِ اللهِ عَوَّضَهُ اللهُ تعالى بِأَن زَوَّجَهُ إِيَّاهَا تَخدُمُهُ فَوقَ ما خَدَمَهَا)اهـ... ورأى أبو هريرة على نفسهِ أن يُكبِّرَ لله تعالى شُكرًا لهُ على ذلكَ.... وهاهو أبو هريرة هذه المرة على مِنبر المدينة وهو أميرها: يُعلنُ بالشُّكْر، صَحَّ من طريق أبي يزيد المدني قال: قام أبو هريرة على منبر رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالمدينة دون مقام رسول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فقال: (الحمدُ لله الذي هَدَى أبا هريرة للإسلام، الحمدُ لله الذي عَلَّم أبا هريرة القرآن، الحمدُ لله الذي مَنَّ على أبي هريرة بمُحمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم)، الحمدُ لله الذي أَطعمَنِي الخَمِير، وأَلبَسَني الحَبِير، الحَمدُ لله الذي زَوَّجَنِي بنتَ غزوان بعدما كُنتُ أَجِيرًا لها...)[رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (1/383-384) وابن عساكر في تاريخ دمشق (67/364-365) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (13/483): صحيحٌ].

20 ـ من فضائل أبي هريرة؛ ما ذكره أبو عمرو الداني؛ قالَ: (عرض أَبُو هُرَيْرَةَ القرآن عَلَى أُبَيِّ بن كعب، وَقرأ عَلَيْهِ من التابعين: عَبْد الرَّحْمَنِ بن هرمز – المعروف بالأعرج-)[تاريخ الإسلام للذهبي (2/566)].. وقد تقدم في شُكْرِهِ قَولُهُ: (الحَمْدُ لله الذي عَلَّم أبا هريرة القُرآن).

وفيه قال الذهبي: (هو رأسٌ في القرآن، وفي السُّنَّة، وفي الفقه)[سير أعلام النبلاء (2/627) وَالإفصاح لابن هبيرة (6/40)].

21 ـ مِن فضائله؛ شُكرُهُ لله بالعمل، فكانَ يقومُ الليلَ، بل لا تخلو ساعةٌ من ليلٍ في دارِهِ وليسَ فيها قائمٌِ لله مُصَلٍّ، قال أبو عثمان النهدي: (تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ –أي: نزلتُ بهِ ضيفًا- سَبْعًا – أي: سبعَ  ليالٍ- فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ –هي بُسرة بنت غزوان- وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلاَثًا –أي: يَتنَاوبُونَهُ-؛ يُصَلِّي هَذَا ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا) [البخاري (رقم 5441)].

ـ (كان أبو هريرة من العلماء العاملين بما علموا؛ يُكثِرُ العِبادة والذِّكْر)[الإفصاح لابن هبيرة (6/40)]؛ (أخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرةَ كان يُسَبِّحُ كلَّ يومٍ اثنتي عشرةَ ألف تسبيحة، يقول: أُسبِّحُ بقدْرِ ذنبِي)[الإصابة لابن حجر (7/442)].

ـ وَكان يُبَادِرُ إلى صيام ثلاثة أيام مِن كُلِّ شهرٍ امتثالاً لوصيةِ النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) لهُ؛ حيثُ قال: (أوصاني خلِيلِي (صلى الله عليه وسلم) بثلاثٍ: بصِيامِ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهر.. الحديث)[مسلمٌ]... وَقال أبو عثمان النهدي: قلتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ تَصُومُ؟ قَالَ: أَصُومُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ثَلاثًا، فإن حدثَ بي حدَثٌ كانَ لي أجرُ شهرِي [حلية الأولياء (1/381)].

22 ـ كان في آخر عُمره يتعوَّذ في سجوده أن يزنيَ أو يسرق أو يكفر أو يعمل بكبيرةٍ، فقيل لهُ: أتخافُ ذلك؟ فقال: ما يُؤَمِّنُنِي وإبليسُ حيٌّ، ومُصرف القلوب يُصرفها كيفَ يشاء؟

23 ـ ولما حضرته الوفاةُ، بكَى، فقيل: ما يُيْكِيكَ؟ قال: ما أبكِي على دنياكم هذه، ولكن على بُعدِ سَفرِي، وقِلَّةِ زادِي، وأنِّي أمسيتُ في صعودٍ، ومَهبطةٍ على جنةٍ أو نار، فلا أدري أيهما يُؤخَذ بِي؟[سير أعلام النبلاء (2/625)]

24 ـ توفي (رضي الله عنه) سنة (57هـ) عن ستٍّ وسبعين سنةً. 

سمير سمراد

بسم الله الرحمن الرحيم , سمير سمراد خادم العلم, إمام خطيب بالجزائر العاصمة والمشرف العام على موقع «مصابيح العلم»

التعليقات (0)

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر