رسالةٌ في فضائل معاوية (رضي الله عنه) للشَّيخ محمَّد حياة السِّندي المَدَنيّ

فهذه رسالةٌ أخرى من رسائل المحدِّث الشّيخ محمّد حياة بن إبراهيم السِّندي، نزيل مدينة الرّسول (صلى الله عليه وسلم) (المتوفَّى سنة:1163هـ)، وهي فيما يظهرُ- من إملاءاته الّتي كان يُمليها على الطَّلبة والمستفيدين، أو تكون من تقييداتِ مَنْ كان حَضَرَ مجالسه في الإِقراء والتَّدريس؛ ففي آخرها: «من فوائد الشّيخ محمّد حياة السِّندي المدني جزاه الله خير الجزاء»اهـ.

وموضوعها: ذِكْرُ فضائل الصَّحابيِّ الجليل معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه)

وهذه الرِّسالة -أو الإملاءُ- حلقةٌ  تُضافُ إلى سلسلة جهود علماء الحديث في الذَّبِّ عن الصَّحابة الأخيار، وإشاعة فضائلهم، وحفظ مقامِهِم، والذَّوْذِ عن حُرْمَتِهِم، وقد وَقَعَ فيهم الرَّافضة الأشرار سَبًّا وطَعْنًا، ورَمَوْهُم بكلِّ نقيصةٍ، وجَرَّدوهم من كلِّ فضيلة عاملهم اللهُ بما يستحقُّون-، ولم يكن الشّيخ «محمّد حياة» ليُخْلِيَ مؤلّفاته ورسائلَهُ من التَّذكيرِ بمقامِ الصَّحْبِ وتشنيعِ جريمةِ الرَّفْضِ في كلِّ فرصةٍ تَسْنَحُ لهُ؛ ففي شرحه على «مقدِّمة في العقائد»[مخطوط]؛ من وَضْعِ بعض علماء المدينة، وعند قوله في أوَّلها: [وصَحْبِهِ أجمعين]، قال: «[وَصَحْبِهِ]: الَّذين فَازُوا بصُحْبَتِهِ [أجمعين]: وفي هذا ردٌّ على بعض المبتدِعة الّذين يبغضون زُبْدةَ  الصّحابة»اهـ.

 

مصدرُ الرِّسالة:        

هذه الرِّسالة من محفوظات جامعة أمّ القرى بمكَّة المكرَّمة رقمها: (2712/17)، وقد حصَّلتُ عليها مِنْ (مكتبة الملك عبد الله بن عبد العزيز الرَّقميَّة):

 ـ عدد الأوراق: نَحْوُ ورقتين (88 ـ 89 ـ 90)،  عدد الأسطر: 14 سطرًا، الحجم: 20×15 سم، الخطّ: نسخي.

تنبيهاتٌ حول الرِّسالة:

1 ـ لا يُنقِصُ من قيمة الرِّسالة كونُ المؤلِّف (رحمه الله) ساق رواياتٍ في فضل معاوية في بعضها ضعفٌ أو نكارة، وقد ساق مثلَها الحافظُ الذَّهبيّ في «السِّير»(3/127)، وقال على أَثرها: «فهذه أحاديثُ مُقَارِبَة»، ومثلُهُ الحافظ ابن كثير في «تاريخه»(11/409) فإنَّهُ قوَّاها، إذْ قال: «ثمَّ ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة بلا شكّ في فضل معاوية، أَضْرَبْنا عنها صفحًا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصِّحاح والحِسَان والمسْتَجَادات عمّا سواها من الموضوعات والمنكَرات»اهـ، وغالبُ أحاديث هذه الرِّسالة الّتي بين أيدينا هو ممّا أورده الذّهبيّ وابن كثير، لا من الأحاديث المنكَرَة والأحاديث الواهية الباطلة، سوى حديثين أو ثلاثة سيقفُ القارئُ في التّخريجات على نَكَارَتِها، وما تبقّى هو من قبيل الصَّحيح والحسن والمُستَحْسَن والضَّعيف المُقارِب، والله أعلم.

 2 ـ يظهرُ أنّ الأحكام الواردة في الرِّسالة على الأحاديث والآثار استفادها المؤلِّفُ أو استفادَ أكثَرَها من الحافظ الهيثمي في «مجمع الزَّوائد»، والله أعلم.

3 ـ في بعض تعابير الرّسالةِ  شيءٌ من الخَلَل، والظّاهرُ أَنَّ منشأَ ذلك من مُقَيِّدِ هذه الفوائد!

 

نصُّ الرِّسالة:

«رسالةٌ في فضائل مُعاوية رضي الله تعالى عنه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

* روى الإمام أحمد في «مسنده» بإسنادٍ لا بأس به إن شاء الله[1] أنّه: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «اللّهم علِّمْهُ الكتاب والحساب وقِهِ العذاب».

* روى الطّبراني في «الأوسط» بسندٍ ضعيفٍ[2] عنه (صلى الله عليه وسلم) أنّه قال في حقِّهِ: «اللّهمّ اهْدِهِ [بالهُدَى] [3] وجنِّبه الرَّدَى واغْفِرْ لَهُ في الآخِرَةِ وَالأُولَى».

* وروى البزّار  والطّبراني[و]رجال [الإسناد] [4] ثقات إلّا واحدًا ففيه خلاف[5] أنّه (صلى الله عليه وسلم)  قال: «أَشْهِدُوا معاويةَ  أَمْرَكُمْ، [أَحْضِرُوهُ أَمْرَكُمْ] [6]  فَإِنَّهُ قَوِيٌّ أَمِينٌ».

* وروى الطّبراني بإسنادٍ لا يخلو عن اختلال[7] أنّه (صلى الله عليه وسلم) قال لمعاوية: «اللّهمّ علِّمْهُ الكتاب والحساب ومَكِّنْ لَهُ[8] في البلاد»، «وقِهِ سوء العذاب»[9].

* روى الطّبراني في «الأوسط» بسندٍ لا يخلو عن خَلَل[10]: جاء جبرائيل (عليه السلام) إلى النّبيّ (صلى الله عليه وسلم)، فقال: «يا محمّد! استوْصِ معاوية[11]، فإنّه أمينٌ على كتاب الله تعالى ونِعْمَ الأمين هو».

* وروى الطّبراني بسندٍ فيه من لا يُعرف[12] (...)[13] قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنّ الله ورسوله يُحِبَّان معاوية».

* وروى الطّبراني بسندٍ فيه مختلِط[14] عن عوف بن مالك أنّه رأى في المنام أنّ معاوية من أهل الجنّة.

* وروى الطّبرانيّ بسندٍ ضعيفٍ[15] عن الأعمش قال: «لَوْ رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ لَقُلْتُمْ: هَذَا المَهْدِيّ».

* وروى الطّبراني بسندٍ وُثِّقَ رواتُه وفي بعضهم خلافٌ[16] عن عليٍّ (رضي الله عنه) أنّه قال: «قَتْلَايَ وقَتْلَى معاوية في الجنّة».

* وروى الطّبراني بسندٍ رجاله رجال الصّحيح إلّا واحدًا وهو ثقةٌ[17] عن أبي الدّرداء قال: «ما رأيتُ أحدًا بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشبه صلاةً برسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أحدكم بذا[18]» يعني معاوية (رضي الله عنه).

* وأخرج البخاري في «صحيحه» عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) أنّه قال في حقِّ معاوية: إنّه فقيهٌ، وإنّه صَحِبَ النّبيّ (صلى الله عليه وسلم).

* وأخرج أيضًا أنّ النّبيّ (صلى الله عليه وسلم) قال في حقِّ الحسن بن عليٍّ (رضي الله عنه): «إنّ ابْنِي هذا سيِّدٌ، [و] [19] لعلّ الله [أن] [20] يُصلح بِهِ بين فِئَتَين عظيمتين من المسلمين». وقد وقع الصُّلح بين معاوية (رضي الله عنه) وجماعته وبين الحسن (رضي الله عنه) وجماعته، فهذه شهادةٌ منه (صلى الله عليه وسلم) بإسلامِ فئةِ معاوية وهو رئيسها.

* وأخرج مسلمٌ أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «تمرُقُ مارقةٌ [عند فُرْقَةٍ] [21]  من المسلمين يقتُلُهَا أَوْلَى الطّائفتين بالحقّ»، وفي روايةٍ: «أَقْرَبُ الطّائفتين من الحقّ». قلتُ: والطّائفة المارقةُ هم الخوارج الّذين خرجوا على عليٍّ(رضي الله عنه)، فَقَتَلَ بعضهم، وطائفتُهُ أَوْلَى الطّائفتين بالحقِّ، والطّائفة الثّانية طائفةُ معاوية (رضي الله عنه).

 فهذا يدلُّ على أنّ معاوية (رضي الله عنه) وطائفتَهُ قريبون من الحقِّ، وعليٌّ (رضي الله عنه) وجماعتُه أقربُ منهم إليه.

* وأخرج التّرمذيّ[22] عن النّبيّ (صلى الله عليه وسلم)  أنّه قال لمعاوية: «اللّهمّ اجْعَلْهُ هاديًا مَهْدِيًّا واهْدِ بِهِ». هذا حديثٌ حسن غريب.

* وأخرج[23] عن عمير أنّه قال: لا تذكروا معاوية إلّا بخيرٍ، فإنِّي سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «اللّهُمَّ اهْدِهِ واهْدِ به[24] ». قلتُ: هذا يدلُّ أنّ هذا الصّحابيَّ فَهِمَ إجابة الدّعوة من النّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) في حقِّهِ، فَمَنَعَ مِنْ ذِكْرِهِ إلّا بخير، وهكذا ينبغي لمن كان يُؤمن بالله ورسوله (صلى الله عليه وسلم).

* وأخرج البخاريّ عن أمِّ حرام أنّها قالت: سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «أَوَّلُ جيشٍ من أُمَّتي يغزون البحر قد أَوْجَبُوا». قالت أمّ حرام (رضي الله عنها): قلتُ: يا رسول الله [ادع لي] أنا فيهم. قال: «أنتِ فيهم». ثمّ قال: «أوّل جيشٍ من أمَّتي يغزون مدينة قَيْصَر مغفورٌ لهم». فقلتُ: أنا فيهم يا رسول الله! قال:  «لا»، وفي روايةٍ له: فخَرَجَتْ مع زوجها عبادة بن الصّامت (رضي الله عنه) غازيًا أوّل ما ركب المسلمون البحر مع معاوية (رضي الله عنه).

وقوله: «أَوْجَبُوا»، أي: الرِّضوان، أو الغفران، أو النَّجاة من النِّيران، أو الفوز بالجِنَان، وكيف ما كان، فيه شهادةٌ في حقِّ معاوية وأصحابه الّذين كانوا معه في تلك الغزوة، أنَّهم من أهل الجنّة، وكفى بهذا شرفًا وبِشارةً لمعاوية (رضي الله عنه).

 * ونُقِلَ عن ابن المبارك أنّه قال: «والله إنّ الغُبَار الّذي دَخَلَ في أَنْفِ فَرَسِ معاوية مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أفضل من عمر بن عبد العزيز  بألفِ مَرّة».

فينبغي للمؤمن أن لا يَذْكُرَ معاوية وأمثالَهُ من الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلّا بخيرٍ، ومَنْ ذَكَرَهُم[25] بسُوء تَجَانَفَ  في حقِّه، أن يكون عَظّمهُ[26] الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، وما يُروى عن الصَّحابة (رضي الله عنهم) ممّا لا ينبغي صُدُورُهُ منهم مُفَوَّضٌ أمرُهُم في ذلك إلى أرحم الرَّاحمين لأنَّهُ غفورٌ كريم *** مِنْ فوائد الشّيخ محمّد حياة السِّندي المدني جزاه الله خير الجزاء، تمَّت الرِّسالة.



[1][1]- صحيحٌ بشواهده.

[2] - إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا.

[3] - ساقطة من المخطوطة واستدركتها من مصدر الرواية.

[4] - ما بين المعكوفين زيادةٌ منّي لتستقيمَ العبارة.

[5] - مُنْكَرٌ.

[6] - ساقطة من المخطوطة واستدركتها من مصدر الرواية.

[7] - صحيحٌ لشواهده، غير لفظة: «ومكِّن له في البلاد» فمُنْكَرةٌ.

[8] - في المخطوطة: «مَكِّنْهُ في البلاد»، والتّصحيح من مصدر الرواية.

[9] - هذه الجملةُ وَرَدَتْ في المخطوطة في سياقٍ واحدٍ مع ما قبلَها، وإنّما هي روايةٌ أخرى عند الطّبراني (رقم:1065) بلفظ: «اللّهمّ مكِّن له في البلاد وقِهِ سوء العذاب».

[10] - ضَعِيفٌ.

[11] - في المخطوطة: «استوص لمعاوية»، والتّصحيح من مصدر الرواية.

[12] - ضَعِيفٌ.

[13] - كلمةٌ في المخطوطة لم أتبيَّنْ ما هي!

[14] - مُنْكَرٌ.

[15] - إسنادٌ ضعيفٌ كما قال، والأَثَرُ صحيحٌ لشواهده.

[16] - صَحِيحٌ.

[17] - صَحِيحٌ.

[18] - عند الطّبراني: «من أميركم هذا. يعني معاوية».

[19] - ساقطة من المخطوطة واستدركتها من مصدر الرواية.

[20] - ساقطة من المخطوطة واستدركتها من مصدر الرواية.

[21] - ساقطة من المخطوطة واستدركتها من مصدر الرواية.

[22] - صَحِيحٌ.

[23] - إسنادُهُ ضَعِيفٌ جدًّا، والحديثُ صحيحٌ لِشواهِدِه.

[24] - عند التّرمذيّ: «اللّهمّ اهْدِ بِهِ».

[25] - كذا في المخطوطة، ولعلّ صوابها: «ذكرهُ».

[26] - وردت في  المخطوطة: «عصمه»! ولعلَّ الصّواب ما أثبتّهُ، ويكونُ المعنى: مَن ذَكرهُ بسوءٍ ظلَمَ ومالَ عن الحقّ؛ لأنّهُ محلُّ التّعظيم؛ إِذْ عظَّمَهُ اللهُ تعالى ورسولُهُ (صلى الله عليه وسلم)، والله أعلم.

  • كتب المقال: المشرف العام
  • التصنيف: عقيدة وتوحيد, تراث ومخطوط
  • أضيف المقال بتاريخ: الأربعاء, 18 تشرين2/نوفمبر 2015
  • عدد الزوار: 2339

التعليقات (0)

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر