تَصْحِيحُ العَقِيدَةِ للشيخ أحمد بن أبي زيد قصيبة الأغواطي (ت 1994م):

تَصْحِيحُ العَقِيدَةِ للشيخ أحمد بن أبي زيد قصيبة الأغواطي (ت 1994م):

الحمدُ للهِ شَرَعَ الدِّينَ هِدايةً للمُؤمنِين، ووَفَّقَ مَن شَاءَ للتَّمَسُّكِ بهِ، والتَّحَلِّي بآدابِهِ فضلاً مِن اللهِ ونِعمةً، واللهُ عليمٌ حكيمٌ، وأَشهد أن لا إلهَ إلا الله، كتبَ رحمتَهُ للمُتَّقِين وأشهدُ أنَّ سيِّدنَا مُحمّدًا رسولُ اللهِ، المبعوث رحمةً للعالمين، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الحافظين لحُدُودِ اللهِ.

أما بعد، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا خطب احْمَرَّت عَينَاهُ، وعَلاَ صوتُهُ، واشتَدَّ غضبُهُ، حتَّى كأنَّهُ مُنذِرُ جيشٍ يقولُ: صَبَّحَكُم ومَسَّاكُم، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله تعالى، وخيرَ الهُدَى هُدَى محمدٍ  (صلى الله عليه وسلم) وشرَّ الأُمور مُحدثاتُها وكلّ مُحدثةٍ بدعة وكلّ بدعةٍ ضلالة وكلّ ضلالةٍ في النّار»، وذلك عندما يَرى مُخالفةَ الدِّين[1].

يا مَعشَرَ المُسلمين!

فقَد مَكثَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) في أَوَّلِ البِعثةِ ثلاثَ عشر سنةً والقُرآن يَنزلُ عليهِ مُحَارِبًا للشِّرْكِ، وآمِرًا بالتَّوحيد، قبلَ أَن ينزلَ عليهِ بالتَّشريعات والعبادات، فأَساسُ الدِّينِ الإسلاميّ التَّوحِيدُ، وأَكبرُ الكبائِر وأَعظمُ المعاصي الشِّركُ باللهِ، قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[النساء: 48] وأَمَرَنَا اللهُ بِالإِخلاصِ في العِبادةِ فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[البينة: 5].

الدِّينُ يَأمُرُنا بتَوحيدِ اللهِ في ذَاتِهِ وصِفاتِه، وبِالخُضُوعِ له، واعتقادِ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ إلهٌ واحدٌ قادرٌ مُرِيدٌ عليمٌ حكيمٌ سميعٌ بصيرٌ، مُتَّصِفٌ بكُلِّ كمالٍ[2] مُنَزَّهٌ عن كُلِّ نَقصٍ، أَبدَعَ الكائِناتِ بقُدرتِه، ودَبَّرَها بعِلمِه وحِكمتِه، فهُو الَّذِي يُحيِي ويُمِيت، ويُعطِي ويَمنَع، والَّذي يَضُرُّ ويَنفَع، ذلكُمُ اللهُ ربُّكُم لا إله إلاَّ هُو خالِقُ كُلِّ شيءٍ فاعبدُوهُ، وهُو على كُلِّ شيءٍ وَكِيلٌ.

هذا هُوَ الاِعتقادُ الحَقُّ الَّذِي يُخرِجُ النَّفسَ مِن ظُلمات الجهل، ويَرفعُها مِن وَهْدَةِ الشِّركِ، ويُطَهِّرُهَا مِن دَنَسِ الخُرافَاتِ والأَوْهَام، فلاَ تَنحَطُّ إلى عبادةِ جمادٍ أو إنسانٍ أو حيوان، ولا تَخضَعُ إلاَّ لمَن لَهُ غايةُ العَظَمة، ونِهايَة الإِنعَام: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[غافر: 64].

يا مَعشَرُ المُسلِمين!

مَالَنَا أَصبَحْنَا نَرَى الحَقَّ بَاطِلاً، والبَاطِلَ حَقًّا، وجَعَلنَا البِدعَ والخُرافات مِن الدِّينِ والدِّينُ يُحَارِبُهَا ويَنهَى عَنهَا، وقامَ النَّاسُ بالطَّبْلِ والمِزْمَارِ في حفلاتِ الأَذكَار، وظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ يُقَرِّبُ إلى اللهِ قُربَانًا، وهُو عندَ اللهِ ضلالٌ وبُهتانٌ، وزُرتُم قُبورَ الأَولياءِ والمشايِخِ، لاَ لِلاتِّعَاظِ والاِعتبَارِ بِهِم، والسَّيرِ على مِنوالِهم، والاِقتداءِ بِهِم، ولكِن لدُعَائِهِم، وتَقبِيلِ أَعْتَابهِم وقَصدِهم في الدَّعَوات، وطلبِهِم حَلَّ مَشاكِلِكُم، ونِسبَةِ عِلمِ الغَيْبِ لهُم، ولاَ يَعلَمُ الغَيبَ إلاَّ الله، وادَّعَيتُم أَنَّ لهُم التَّصَرُّف، ولم تُفَرِّقُوا بَينَ الخَالِقِ والمَخلُوقِ، وقَد عَلَّمَنَا جِبريلُ (عليه السَّلام) أَركانَ الإِيمانِ السّتّ عندما سألَ رسولَ اللهِ (عليه الصلاة والسلام) فقالَ لهُ: «الإِيمانُ أَن تُؤمِنَ باللهِ وملائكتِه وكُتبِهِ ورُسُلِهِ واليَومِ الآخِرِ وأَن تُؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ».

وقَد لَخَّصَ اللهُ تعالى في سُورة الإِخلاص أَركانَ التَّوحِيدِ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4).

فإِيَّاكَ أيُّها المسلمُ! أَن تَسأَلَ أو تَستَعِينَ بغَيرِ اللهِ، وأَنتَ تَقرَأُ في اليَومِ الواحِدِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وإِيَّاكَ أَن تَقُولَ: يَا وَلِيِّي فُلان اقْضِ حَاجَتِي وفَرِّجْ عَنِّي كُرْبَتِي، أو اشْفِ مَرَضِي، فإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ بعَيْنِهِ، وإِنَّهُ دَاعٍ لعَدَمِ الإِجَابَةِ فإِنَّ الأَولياءَ الصَّادِقِين لاَ يُرضِيهِم مَعصيةُ اللهِ، ولا يُحِبُّونَ أَن تَذكُرَهُم وتَنْسَى اللهَ، ولا يَوَدُّونَ أَن تُنَادِيهِم وتَغفَلَ عَنِ اللهِ، إِنَّمَا يُحِبُّونَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أَمثَالَهُم، يَتَقَرَّبُونَ إلى اللهِ بِمَا تَقَرَّبُوا بِهِ إِلَيهِ مِن إِيمانٍ وعملٍ صالحٍ، فإِنَّ اللهَ يُغضِبُهُ أَن تَسأَلَ خَلْقَهُ وتَدَعَهُ، فهَل إِذَا غَضِبَ عَلَيكَ يُجِيبُكَ؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ!

ثُمَّ يَا مِسكِينُ! أَيُّهُمَا أَقرَبُ إِلَيكَ؟ المَخلُوقُ الَّذِي انقَطَعَ حَبْلُ حيَاتِهِ، وأَصبَحَ رَهِينَ أَعمَالِهِ، والَّذِي لاَ يَمْلِكُ لنَفسِهِ نَفعًا ولاَ ضَرًّا، فَضلاً عَن أَن يَملِكَ لغَيرِهِ شَيئًا؟ أَم الرَّبُّ الَّذِي هُو أَقرَبُ إِلَيكَ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ؟ أَتَدعُو وتَطلُبُ مَن لَيسَ بيَدِهِ شيءٌ، وتَترُكُ مَن في يدِهِ خزائنُ السَّماواتِ والأرض: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: 67].

أيُّها المُعَلِّمُونَ بِالمَدارِسِ! عَلِّمُوا أَبناءَ المُسلمين أَركَانَ التَّوحيدِ وصَحِّحُوا عَقِيدتَهُم مُنذُ الصِّغَرِ، واغرِسُوا في نُفوسِهِم حُبَّ اللهِ وحُبَّ رسُولِهِ، أَن يَستَعِينُوا بِاللهِ وَحدَهُ ولاَ يَستَعِينُوا بمَخلُوقٍ دُونَهُ، فتَعلِيمُهُم ذلِكَ مِن الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ علَى الحَجَرِ، فيَكبُرُوا وعَقيدتُهُم فِي اللهِ صحيحةٌ سَلِيمَةٌ، لاَ تُؤثِّرُ فِيهِم العاداتُ والسُّلُوكاتُ الخَاطِئَة.

فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ! وتَمَسَّكُوا بالكِتابِ والسُّنَّةِ، فإِنَّها الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ، واتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، واسْعَوا فِي مَرضَاتِهِ، واخْشَوْهُ وَحْدَهُ، ولاَ تَخْشَوا سِوَاهُ: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[التوبة: 13].

ولاَ تَسمَعُوا لِلأَغانِي الشِّركِيَّةِ الَّتِي تَقْصِدُ الأَموَاتَ فِي الدَّعَوَاتِ، وتَطلُبُ مِنهُم الشِّفَاءَ، وخَلِيلُ الرَّحمَنِ يَقُولُ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[الشعراء: 80].

عن ابنِ عبّاسٍ (رضي الله عنه) قال: كُنتُ خَلْفَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) يَوْمًا فقَالَ: «يَا غُلاَمُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِنْ بِاللهِ، واعلَم أَنَّ الأُمَّةَض لَو اجتَمَعَت عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بشَيءٍ لَم يَنفَعُوكَ إلاَّ بشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِن اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إلاَّ بشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقلاَمُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ». أخرجهُ التِّرمذيّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

[المصدر: أحمد بن أبي زيد قصيبة الهلالي، «الإِمَامُ النَّاجِحُ»، قدّمه ووثّق نُصوصه: العلمي حدباوي، (ص140-144)، ط1/2010م].

تعريفٌ مُختصَرٌ بالمُؤلِّف:

وُلد عام 1919م بالأغواط، تعلَّم أوَّلاً بالكتاتيب القرآنية، وتردَّدَ على «المدرسة العربية»، وكان مع ذلك تلميذًا في «المدرسة العمومية الفرنسية» الَّتِي حازَ فِيها على الشهادة الأهلية في قسم تكميلي. هاجر رُفقةَ زَمِيلَيهِ: أحمد شطَّة وأبو بكر الحاج عيسى إلى «جامع الزيتونة» بتونس سنة 1933م، وعاد ليبدأ في الأغواط بتعليم الناس. ولمَّا نُفِيَ البشير الإبراهيمي إلى «آفْلُو» سنة 1940م كان يَزُورُهُ مع أبو بكر الحاج عيسى وشقيقه محمد الحاج عيسى، ولمَّا رُفِع قرارُ النَّفيِ عن الإبراهيمي في سنة 1943م استقدَمَ أحمد قصيبة وجعلهُ كاتبًا مركزيًّا للجمعية عام 1946م ومُحَرِّرًا بجريدةِ «البصائر» في سلسلتها الثانية، مع نشاطاتٍ كثيرةٍ بمَركز «جمعية العُلماء» وفي مساجد ومدارس بالجزائر العاصمة ونواحِيها.

وابتداءً من سنة 1951م كُلِّفَ بإلقاء دروسٍ بالمسجد العتيق بالأغواط، وعندما اندلعت الثورة التحريرية المباركة انخرط في «جبهة التحرير الوطني». وبعد الاستقلال دعاه «أحمد توفيق المدني» وزير الأوقاف فأَسنَد إليه التفتيش الجِهوي في مناطق (الواحات والسَّاوْرَة) المشتمِلة على (13) دائرة ينتقلُ إليها، وأسَّسَ المعهد الإسلامي في مدينة الأغواط، وصار مُديرًا له سنة 1964م، كما أسَّسَ معهدًا إسلاميًّا آخر في مدينة أدرار. وعندما تأسَّسَ «المجلسُ الإسلاميُّ الأعلى» سنة 1966م عُيِّنَ عُضوًا فيهِ، كما تولَّى مُهِمَّة الوَعظِ والتَّوجِيهِ في المسجِد العتيق للمَدِينة. تُوفِّي (رحمه الله) يوم الإثنين 24 محرم 1415هـ/ 4 يوليو- جوان 1994م.



[1] -  بل كان ذلك تقريرًا وتحذيرًا من الشّرّ قبلَ وُقوعِهِ. [مصابيح العِلم]

[2] -  فنُؤمِنُ بكُلِّ ما وصفَ اللهُ بِهِ نفسَهُ وأثبتَهُ في كتابه ووصفهُ بهِ رسولُهُ وأثبتَهُ في سُنّتِهِ مِن غَيرِ تَكيِيفٍ ولاَ تمثِيلٍ ولا تعطِيل. [مصابِيح العِلم]

التعليقات (0)

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر