مِنْ فَضَائِلِ شَهْرِ شَوَّال

مِنْ فَضَائِلِ شَهْرِ شَوَّال

أُلْقِيت في يوم الجمعة 02 شوّال 1434هـ الموافق لـ: 09 أوت 2013م

عباد الله! زمانٌ فاضلٌ وشهرٌ مباركٌ انقَضى ورحلَ عنَّا.. هُوَ شهرُ رمضان، لكِنْ فَضْلُ الله تعالى لا يزالُ يتوالى علينَا وخيرُهُ لا ينقطِعُ عنَّا، فقد أظلَّنا شهرٌ هو أيضًا مباركٌ، وزمانٌ لا نَعْدِِمُ فيهِ خَيْرًا وفضلاً مِن ربِّنَا، إنَّهُ شهرُ شوَّال...

عباد الله! ... مِن فضائلِ شهركم هذا: أنَّهُ شَهْرٌ مِن أشهرِ الحجِّ الّّتي قالَ الله عنها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وأشهرُ الحجُّ هي: شوَّال، وذو القَعْدَة، وعَشْرُ ذي الحجَّة، فأوَّلُ أشهر الحجّ: شوَّال، وهي زمانُ الحجّ والوقت الّذي يتأدَّى فيه الحجّ، فيَكونُ الإِهْلاَلُ أو الإِحْرَامُ بِالحَجّ أو بعُمْرَةِ الحجِّ إن كان مُتمتِّعًا في هذه الأزمنة.

 

ومِن فضائل شهر شوَّال ومِن خَيْرِهِ وبَرَكَاتِهِ: أنَّه يُرْجَى فِيهِ الخَيْرُ والبركَةُ لمن تزوَّجَ فِيهِ أو بَنَى بأهلِهِ، فقد ثبتَ عن أُمِّنا عائشةَ (رضي الله عنها) أنَّها كانت تقولُ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلّم) في شَوَّال، وَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ فِي شَوَّال، فَأَيُّ نِسَائِهِ كَانَتْ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي... »[1].

ففي هذا الحديث أنَّهُ يُستَحبُّ أن يقعَ الزَّواجُ والبناءُ والدُّخُولُ في هذا الزَّمان المُبَارك، لأنَّهُ الزَّمانُ الّّذي تزوَّجَ فيه رسولُ الله عائشةَ أي: عقدَ عليها في شوَّال وزُفَّت إليهِ في شوّال كذلك، وكان العقدُ والدُّخول في هذا الوقت يُمْنًا وخيرًا وبركةً على عائشةَ (رضي الله عنها)، حصلَ لها في هذا الزَّمان الخيرُ برسول الله (صلى الله عليه وسلّم)، وحصل لها الحظْوَةُ عندَهُ، يُقَالُ: «حَظِيَتِ المرأة عند زوجها تَحْظَى حَظْوَةً، أي: سَعِدَت بِِهِ ودَنَتْ مِن قلْبِهِ وأَحَبَّهَا»[2].

 قالت: فَأَيُّ نِسَاءِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلّم) نَالَتْ مِنَ الحَظْوَةِ والقُرْبِ مَا نِلْتُهُ أنَا عِنْدَهُ؟  وَكَانَتْ عَائِشَة تُحِبّ أَنْ تُدْخِل نِسَاءَهَا فِي شَوَّال، أي: كانت تحرصُ على أن تَزُفَّ مَن إِلَيْهَا مِن النِّساء إلى أزواجهنَّ في هذا الوقت المبارَك.

وقَصْدُ عائشةَ إلى هذا فيهِ مَلحظَان:

الأوَّل: «لتَرُدَّ بِهِ قولَ مَنْ قالَ: يُكْرَهُ عَقْدُ النِّكاح والتَّزويج في شهر شوّال، ويَتَشَاءَمُ بِهِ»[3]، وهذا مِن آثار الجاهليَّة؛ حيثُ كانوا يتطَيَّرُون بشهر شوّال ويتشاءمون بهِ، لسببينِ اثنين: الأوّل: أنَّهُ وقعَ في الزَّمانِ القديم طاعونٌ مات فيه خلقٌ وكثيرٌ من العرائس،  والسَّبب الثّاني: كانوا يَتَطَيَّرُونَ بذلك لما في اسم شَوَّال مِن الإِشَالة وهي: الإِزَالَة وَالرَّفع، فكانوا يعتقدُونَ أنَّ مَن بَنَى بأهله في شوَّال رفعت المحبَّة مِن بينهما ولم يكٌُن إِلْفٌ ولم يحْصُل يُمْنٌ، «ولذلك قالت عائشةُ رادَّةً لذلك الوَهْم: «فأيُّ نِسَائِهِ كان أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي»؛ أي: لم يضُرَّني ذلك، ولا نَقَصَ مِن حَظْوَتِي. «فأيُّ نساءِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلّم) كانَ أَحْظَى، أي: أَقْرَبَ إليه وأَسْعَدَ بِهِ أو أكثرَ نَصِيبًا عندَهُ مِنِّي»[4]. ثمَّ إنَّها تَبرَّكَت بشهرِ شوَّال، فكانت تُحِبُّ أن يُدْخَلَ بنِسَاءِهَا على أزواجِهِنَّ في شوّال؛ للَّذِي حَصَلَ لها فِيهِ مِنَ الخَيْرِ برسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلّم)، ومِن الحَظْوَةِ عِنْدَهُ، ولمخالفةِ ما يَقُولُ الجُهَّالُ مِن ذلك»[5].

 

فإيقاعُ الزَّواجِ في شهر شوَّال، يُرجى بِهِ حُصُول الخير والبركة والسَّعادة والهناءِ للزَّوجينِ بإذنِ الله تعالى.

 

 ومِنْ فَضَائِلِ شَهْرِ شَوَّال... ما صحَّ مِن حديثِ أبي أيُّوبٍ (رضي الله عنه)، أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قال:  «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعُه سِتًّا مِن شَوَّال كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»[6].

وعن ثوبانَ (رضي الله عنه)، مَوْلَى رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قالَ:  «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا».

وفي روايةٍ: «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ»[7].

 

 

فمِن بَرَكَةِ شهرِ شوّال والخيرِ الّذي فيهِ أنَّهُ مَن صَامَ ستَّةَ أيَّامٍ منهُ مع صيامِ رمضانَ حصلَ لهُ بهِ أجرُ وفضلُ مَن صامَ السَّنَةَ كُلَّهَا.

وهذا الفضْلُ يحْصُلُ لمن صامَ ستَّةً من الشَّهر في أيِّ أيَّامِهِ؛ «يَحْصُلُ لمَن صَامَهَا مُتفرِّقَةً أو مُتَوَالِيَةً، ومَن صَامَهَا عَقِيبَ العِيد أو فِي أثناءِ الشَّهر»[8]، وينبغي لمن يصومُ هذه الأيّام أن يَعلمَ أنّ صيامها ليسَ فرضًا مِن الفرائض، ليس مفروضًا صيامُها كما فُرِضَ صيامُ رمضان، وليسَ يَلْزَمُ أن يكون صيامُها عَقِيبَ العيد، أي: في اليوم الثّاني مِن شوَّال، بل مَن صَامَ مِن أوَّل الشّهر أو مِن وسطه أو مِن آخره، يدخلُ فيمن صام ستًّا مِن شوَّال وصامَ بعدَ الفطر، ويحصلُ لهُ أجرُ صيامِها الموعودُ بهِ.

لكن... المبادرةُ إلى صيامِها والتَّعجيلُ بذلكَ هُوَ الأَوْلَى والأَفْضَلُ، وهُوَ عَمَلُ أصحابِ الهِمَمِ وأهلِ الحَزْم.

قال اللهُ تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، أي: فاستبقُوا إلى الخيرات[9]... «سَارِعُوا إِلى الطَّاعَات»[10]، ففي الآيةِ:  . ومن الطَّاعات: صيامُ ستَّة أيَّامٍ بعد الفِطر. «الحَثُّ عَلَى المُبَادَرَةِ وَالاِسْتِعْجَالِ إِلى جميعِ الطَّاعَات»[11].

 وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ[آل عمران: 133 ]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ[الحديد: 21 ]، ومعناهُ:  سابِقُوا إلى مَا يُوجِبُ المغفِرَةَ مِنَ الله تعالى[12]، ومِن ذلك: عبادةُ الصِّيام.

وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أولئك الْمُقَرَّبُونَ[الواقعة: 10 - 11 ]، والمرادُ منهُ: السَّابِقُون فِي الطَّاعَات[13].

 

وأيضًا مَدَحَ اللهُ تعالى الأنبياءَ المُقَدَّمِينَ بقولِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ[14]، يَتَبَادَرُونَ إِلَيْهَا خَوْفَ أن تَفُوتَهُم، تَفُوتُهُم إِمَّا بموتٍ فيُقْطَعُونَ عنها، أو تفوتُهم بشُغْلٍ أو صارٍفٍ يصرفُهم عنها، فصارَ أهلُ الرَّغْبةِ في الآخرة يُؤثِرُونَ الفَوْرَ[15]، أن يأتُوا بالأعمالِ فَوْرًا دونَ تَرَاخٍ عنها ولا تتثَاقُلٍ ولا تأخيرٍ، وإن كان هذا العملُ على التَّرَاخِي، فصيامُ ستَّة أيَّامٍ بعد الفطر، يتراخَى وقتُهُ، فوقتُهُ أيَّامُ شوّال كلِّهِ، مِن أوَّله ووسطه وآخره، لكن الأَخْذُ بالحَزْمِِ هُو تعجيلُها، فكم مِن إنسانٍ يتراخى عنها ويقول لا يزالُ في الوقت بقيَّة ولا يزال  هناكَ مُتَّسَع،  فربَّما نَسِيَهَا، وربَّما لا يشعر بمرور الأيَّام حتَّى يجدَ نفسه قد ضاقَ به الوقت وجاءتهُ صوارِفُ ومُعَوِّقاتٌ، فيَنقضي شوَّال ولم يصُمها أولم يقدر على إتمامِ السّتّ، فالحَزْمُ إذن في تعجيلِها.

ومَدَحَ الله تعالى نبيًّا من أنبيائه، مدحَ موسى الكليم، حَيْثُ سَبَقَ قومَهُ إلى مِيقاتِ ربِّهِ، وقدِمَ قبلَهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾[طه: 83]، فكان مِن جوابِ الكليم: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، فمُوسى (عليه السّلام) إنَّما فعلَ ذلك «ليَحْصُلَ الرِّضَا للهِ تعالى»[16]، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، أي: «لِتَزْدَادَ رِضًا»[17].

صحَّ عن النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلّم) أنَّهُ قالَ: «التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيءٍ خَيْرٌ إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ»[18]،  وَ«التُّؤَدَةُ» هي: التَّأنِّي وترْكُ العَجَلة، فهذه  «فِي كُلِّ شَيءٍ خَيْرٌ»، أي: «مُسْتَحْسَنٌ مَحْمُودٌ»[19]، «إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ»، «فَإِنَّ الحَزْمَ التَّسَارُعَ إِلَيْهِ، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ»[20].

 فما تقدَّمَ يدلُّ على أنَّ العَجَلَةَ مَذْمُومَةٌ، إلاَّ في الدِّين وعملِ الآخرة،  فإِنَّهَا مَمْدُوحَةٌ[21].

 

عبادَ الله!.. نَصُومُ هذه السِّتَّة كَمَا رَغَّبَنَا نبيُّنا، ونُعَجِّلُ بِهَا طَمَعًا في فضلِ رَبِّنَا، فنسألُ اللهَ تعالى أن يُوفِّقَنَا للعملِ الصَّالح وأن يَتقبَّلَهُ مِنَّا.

 

 

 



[1] - مسلمٌ (1423) وغيرُهُ.

[2] - النِّهاية في غريب الحديث والأَثَر.

[3] - المفهِم شرح تلخيص مسلم لأبي العبّاس القرطبيّ.

[4] - المرقاة للقاري.

[5] - المفهِم شرح تلخيص مسلم لأبي العبّاس القرطبيّ.

[6] - مسلمٌ (1164)، وانظر: صحيح التّرغيب (1006).

[7] - انظر: صحيح التّرغيب (1007).

[8] - سُبل السّلام للصّنعاني.

[9] - انظر: تفسير القرطبي (2/165). عالم الكتب.

[10] - انظر: تفسير القرطبي (6/211). عالم الكتب.

[11] - انظر: تفسير القرطبي (2/165). عالم الكتب.

[12] - انظر: تفسير اللّباب لابن عادل(3/60).

[13] - انظر: تفسير اللّباب لابن عادل(3/60).

[14] - انظر: تفسير اللّباب لابن عادل(3/60).

[15] - انظر: تفسير اللّباب لابن عادل (5/480).

[16] - تفسير اللّباب لابن عادل(13/347).

[17] - تفسير الثعلبي (6/257). دار إحياء التراث.

[18] - انظر: صحيح التّرغيب (3356) وصحيح الجامع (3009).

[19] - التّيسير بشرح الجامع الصغير للمُناوي (1/931).

[20] - التّيسير بشرح الجامع الصغير للمُناوي (1/931).

[21] - انظر: تفسير اللّباب لابن عادل(13/347).

  • كتب المقال: المشرف العام
  • التصنيف: خطب ومواعظ
  • أضيف المقال بتاريخ: السبت, 10 آب/أغسطس 2013
  • عدد الزوار: 20806

سمير سمراد

بسم الله الرحمن الرحيم , سمير سمراد خادم العلم, إمام خطيب بالجزائر العاصمة والمشرف العام على موقع «مصابيح العلم»

التعليقات (0)

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر