كلماتٌ تذكيريَّةٌ في فَضْلِ حِفْظِ القرآنِ والاِشتغالِ بهِ

أُلْقِيت في اختتامِ الدّورة الصّيفيَّة لتحفيظ القرآن بمسجد عرفات، بلديَّة بن عكنون، الجزائر العاصمة

بعد عصر يوم الجمعة 26 شعبان 1434هـ الموافق لِـ: 05 جويلية 2013م.

فُرصةٌ طيِّبةٌ أن نكونَ بين ناشئتنا وفِتياننا الَّذِين بذلُوا جهودًا وكان منهم حرصٌ وأظهروا همَّةً ورغبةً في العنايةِ بالقرآن والدّخول في جُملةِ أهلِ اللهِ وخاصَّتِهِ؛ الّذين هُم أهلُ القرآن:

عن أنسٍ (رضي الله عنه) قال: قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): «إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ».

 قالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ! قالَ: «أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وخَاصَّتُهُ»[1].

 

وهذه كلماتٌ نُذكِّرُ فيها بجملٍ من  حديثِ النّبيِّ الكريم (صلى الله عليه وسلّم) في فضلِ حفظِ القرآن والعنايةِ بهِ وإِعْمَارِ الأوقات بمُدارستِهِ:

الحديثُ الأوّل:

عن عثمان بن عفَّان (رضي الله عنه) عن النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) قالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[2].

 

ومَعْلُومٌ أنَّ «خَيْرَ الكلامِ كلامُ اللهِ تعالى، فكذلكَ: خَيْرُ النَّاسِ بعدَ الأنبياءِ مَن اشْتَغَلَ بِهِ»[3].

 

الحديث الثَّاني:

عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): «المَاهِرُ بالقُرآن مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ...» الحديث[4].

والمَاهِرُ بالقرآن هُو: «الحَاذِقُ الكَامِلُ الحِفْظِ الَّذِي لاَ يَتَوَقَّفُ ولاَ تَشُقُّ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ لجَوْدَةِ حِفْظِهِ وإِتْقَانِهِ»[5].

قولُهُ: «مَعَ السَّفرَةِ»، السَّفَرَةُ: الرُّسُلُ، «يعني: مَعَ الملائكة، أي: لهُ في الآخِرَةِ منازلُ يَكُونُ فِيهَا رَفِيقًا للمَلائكةِ السَّفَرَةِ»[6].

الحديث الثّالث:

عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قالَ:

 «يَجِيءُ صاحِبُ القُرآنِ يومَ القِيامةِ فيقولُ القرآنُ: يا رَبِّ حَلِّهِ – أي: أَلْبِسْهُ حُلَّةً-، فيُلْبَسُ تَاجَ الكَرَامَة، ثمّ يقُولُ: يا رَبِّ زِدْهُ، فيُلْبَسُ حُلَّةَ الكَرَامَةَ، ثمّ يقولُ: يا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ، فيَرْضَى عَنْهُ، فيُقالُ لهُ: اقْرَأْ وَارْقَ –أي: اصْعَدْ-، ويَزْدَادُ بكُلِّ آيةٍ حَسَنَةً» [7].

 

وَ«صاحِبُ القرآنِ» في هذا الحديث ليسَ هو الّذي يُلازمُ قراءةَ القرآنِ مِن المصحف، وإنَّما هو الحافظُ الّذي وَعى القرآنَ في صدرِهِ، قالَ العُلماءُ: «يُؤخَذُ مِن الحَدِيثِ أنَّهُ لا يَنَالُ هَذَا الثَّوابَ الأَعْظَمَ إلاَّ مَن حَفِظَ القُرآنَ وأَتْقَنَ أَدَاءَهُ وقِرَاءَتَهُ»[8].

 

الحديثُ الرَّابع:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) قال: قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):

 «يُقَالُ لصَاحِبِ القُرآن: اقْرَأْ وَارْقَ –أي: اصْعَدْ- ورَتِّلْ كَمَا كُنْتُ تُرَتِّلُ في الدُّنيا؛ فإنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا»[9].

 قولُهُ: «ارْقَ» «وارْتَقِ»، معناهُ: «اصْعَدْ إِلى منزِلِكِ دَرَجَةً دَرَجَةً، فإنَّ منزلَكَ بحَسَبِ قِرَاءَتِكِ مِن الآيَاتِ»[10].

«قالت عائشةُ: جُعِلَت دَرَجُ الجَنَّةِ على عَدَدِ آيِ القُرآن، فمَن قَرَأَ ثُلُثَ القُرآن كَانَ عَلَى الثُّلُثِ مِن دَرَجِ الجَنَّة، ومَن قَرَأَ نِصْفَهُ كَانَ عَلَى النِّصْفِ مِن دَرَجِ الجَنَّةِ، ومَن قَرَأَ القُرْآنَ كُلَّهُ كَانَ فِي عَالِيهِ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ أَحَدٌ إلاَّ نَبِيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهِيدٌ» [11].

«وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، سَأَلْتُ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) عَمَّنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، مَا فَضْلُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْرَأْهُ؟، فَقَالَتْ: إِنَّ عَدَدَ دَرَجِ الْجَنَّةِ بِعَدَدِ آيِ الْقُرْآنِ، فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ»[12].

 

وَقال الخطابيُّ: «جاء في الأَثَرِ أنَّ عَدَدَ آيِ القُرآن على قَدْرِ دَرَجِ الجَنَّةِ في الآخِرة، فيُقالُ للقارِي: ارْقَ في الدَّرَج على قَدْرِ ما كُنْتَ تَقرَأُ مِن آيِ القُرآن، فمَن اسْتَوْفَى قِرَاءَةَ جميعِ القُرآن اسْتَوْلَى عَلَى أَقْصَى دَرَجِ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن قَرَأَ جُزْءًا مِنْهُ كانَ رُقِيُّهُ في الدَّرَجِ على قَدْرِ ذَلِكَ فيَكُونُ مُنْتَهَى الثَّوَابِ عندَ مُنْتَهَى القِرَاءَةِ»[13].

فمِن خصائصِ القُرآن أنّ حافظَه لا يزالُ يرتفعُ في درجاتِ الجنَّةِ، فإذا أتمَّ حفظَهُ لم يكُن فوقَهُ أحدٌ، فهُوَ في أعلى الدّرجات مع الأنبياءِ والملائكة[14].

 

هذه أحاديثُ في فضلِ الحافظِ للقرآنِ، ما أعدَّ اللهُ لهُ، وفضلُهُ على مَن لم يحفظ، وليسَ هذا فحسبُ، بل كما يُكرَّمَ الحافظُ يُكرَّمَ والدَاهُ:

الحديث الخامسُ:

عن بُريدةَ (رضي الله عنه) قالَ: قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): «مَنْ قَرَأَ القُرآنَ وتَعَلَّمَهُ وعَمِلَ بِهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ يومَ القيامةِ تَاجًا مِن نُورٍ ضوؤُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ويُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ – أي: ثوبينِ لكلِّ واحدٍ منهما، والحُلَّةُ لا تكونُ إلاَّ ثوبينِ- لاَ يَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا، فيَقُولاَنِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا القُرْآنَ»[15].

 

فهذا قارئُ القرآنِ الحافظِ لهُ المُتقنُ لأدائهِ وتلاوتِهِ، والمتفهِّمُ لهُ العاملُ بما فيهِ يكونُ لوالديهِ كلُّ هذا الثَّوابِ العظيم ويحظونَ بكلِّ هذا التَّكريم، فماذا سيكونُ لولدِهما وهو القارئُ نفسُهُ؟ وقد مضى في الحديثِ المتقدِّمِ شيءٌ مِن كرامتِهِ وثوابِهِ.

 وقد سطَّر بعضُ العُلماء هذا المعنى في أبياتٍ له جميلة فقالَ:

فَيَا أَيُّهَا الْقَارِي بِهِ مُتَمَسِّكاً    مُجِلاًّ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلاَ

هَنِيئًا مَرِيئًا وَالِدَاكَ عَلَيْهِما     مَلاَبِسُ أَنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلاَ

فَما ظَنُّكُمْ بالنَّجْلِ عِنْدَ جَزَائِهِ؟    أُولئِكَ أَهْلُ اللهِ والصَّفْوَةُ المَلاَ[16].

وَ«المَلاَ» وَ«المَلأُ»: هُم الرُّؤساءُ والأشرافُ، وأهلُ القرآن هُم وُجُوهُ النَّاسِ وأَشْرَافُهُم وأحقُّ من يكونُ رأسًا فيهِم.

 

ونختمُ بحديثٍ عظيمٍ وبشارةٍ كريمةٍ لحافظِ القرآنِ:

عن عُقبةَ بنِ عامرٍ (رضي الله عنه) قاَلَ: قالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم): «لَوْ جُعِلَ القُرْآنُ فِي إِهَابٍ –أي: وِعاء أو ظَرفٍ مِن جِلْدٍ- ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ»[17].

 

معناهُ: «لَوْ جُعِلَ القُرآنُ في إِنسانٍ ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ مَا احْتَرَقَ»[18].

 وَمعناهُ: «أنَّ حَافِظَ القُرْآنِ مُمْتَنِعٌ من النَّارِ»[19].

ففيه هذا الحديثِ  بشارةٌ كريمةٌ: «أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللهُ تَعالى القُرآنَ مِنَ المسلِمِين وحَفَّظَهُ إِيَّاهُ لَمْ تَحْرِقْهُ النَّارُ يومَ القِيامةِ إِنْ أُلْقِيَ فِيهَا بالذُّنُوبِ، كما قال أبو أُمامةَ (رضي الله عنه): «احْفَظُوا القُرآنَ –أو: اقْرَءُوا القُرآنَ- ولاَ تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ المصاحِفُ، فإنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُعَذِّبُ بالنَّارِ قَلْبًا وَعَى القُرْآنَ» »[20].

  

وفي الختام نُوصِي بما أوصى بهِ النّبيُّ  أُمَّتَهُ:

عن عُقبةَ بنِ عامرٍ (رضي الله عنه) قالَ: قال رسولُ الله (صلى الله عليه وسلّم):

 «تَعَلَّمُوا كِتَابَ اللهِ وتَعَاهَدُوهُ واقْتَنُوهُ وتَغَنَّوْا بِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ [تَفَلُّتًا] مِنَ المَخَاضِ في العُقْلِ» [21].

 

 

«تَعَلَّمُوا كِتَابَ اللهِ»؛ القرآن، أي: احْفَظُوهُ وتَفَهَّمُوهُ، «وتَعَاهَدُوهُ»، أي: تعاهَدُوا الحفظَ وتعاهَدُوا التَّفهُّم لهُ والتَّذكُّر والتَّذكيرَ بِهِ، «واقتنوه»، أي: الْزَمُوهُ، «وتَغَنَّوا بِهِ»، أي: اقرأُوهُ بتَحْزِينٍ وتَرْقِيقٍ، وليس المراد قراءته بالأَلْحَان والنَّغمات، «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا»، أي: ذَهَابًا، «مِن المَخَاضِ»، أي: النُّوق –جمع ناقة- الحوامِل المَحْبُوسَة، «في العُقْل»، العُقْلُ: جمعُ عِقَال، وهو الحَبل الّذي تُحْبَسُ بهِ النَّاقة، وضَربَ النَّبيُّ (صلّى الله عليه وسلّم) المَثَلَ بِهَا؛ لأنَّها إذا انْفَلَتَتْ لاَ تَكَادُ تُلْحَقُ[22].

فينبغِي العنايةُ بالقرآن وتعاهُدُ المحفوظ منه وتعلُّم التّلاوة والأداء وتعلُّم المعاني والأحكام، والاِشتغال بكلِّ ذلك، لا سيَّما في زمانِ الفِتنِ، كما في حديثِ حذيفةَ (رضي الله عنه)  في ذِكرِ الفِتن، قالَ (صلّى الله عليهِ وسلَّم):

«يَا حُذَيْفَةُ! عَلَيْكَ بِكِتَابِ اللَّهِ فَتَعَلَّمْهُ، واتَّبِعْ ما فِيهِ خَيْرًا لَكَ» [23]، وبَوَّبَ عليْهِ ابنُ حبَّان بقولِهِ: «ذِكْرُ الإِخْبَارِ عَمَّا يَجِبُ عَلَى المَرْءِ مِنَ تَعَلُّمِ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلاَ وَاتِّبَاعِ مَا فِيهِ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ خَاصَّةً».

 

 



[1] - صحيح التّرغيب (1432).

[2] - صحيح التّرغيب (1415).

[3] - فيض القدير.

[4] -البخاريُّ ومسلم. انظر:  صحيح التّرغيب (1421).

[5] - شرح سنن أبي داود للبدر العينيّ.

[6] - شرح سنن أبي داود للبدر العينيّ.

[7] - صحيح التّرغيب (1425).

[8] - نَقَلَهُ القاريُّ في مرقاة المفاتيح.

[9] - صحيح التّرغيب (1426).

[10] - شرح سُنن أبي داود للعينيّ.

[11] - شرح صحيح البخاريّ لابن بطّال. والأثرُ ترويهِ أمُّ الدّرداء كما في الدّرّ المنثور (15/305)، ط. هجر.

[12] - قيام رمضان للمروزيّ باختصار المقريزيّ (ص171) ط. باكستان.

[13] - معالمُ السُّنن للخطَّابيّ.

[14] - التَّيسير للمُناوي.

[15] - صحيح التّرغيب (1434).

[16] - القائِلُ هو أبو القاسم الشّاطبيّ في منظومتِهِ: حِرْزُ الأَمَانِي.

[17] - الصّحيحة (3562).

[18] - تأويل مختلف الحديث لابن قُتيبةَ (ص201). ط. الجيل.

[19] - غريب الحديث لابن الجوزيّ (1/48). ط. العلمية.

[20] - تأويل مختلف الحديث لابن قُتيبةَ (ص201). ط. الجيل.

[21] - صفة الصّلاة للألباني (ص125).

[22] - انظر: فيض القدير للمُناوي.

[23] - التّعليقات الحسان على صحيح ابن حبَّان (رقم: 117).

  • كتب المقال: المشرف العام
  • التصنيف: خطب ومواعظ
  • أضيف المقال بتاريخ: الإثنين, 08 تموز/يوليو 2013
  • عدد الزوار: 43638

سمير سمراد

بسم الله الرحمن الرحيم , سمير سمراد خادم العلم, إمام خطيب بالجزائر العاصمة والمشرف العام على موقع «مصابيح العلم»

التعليقات (1)

  • خالدمصطفاوي

    خالدمصطفاوي

    03 حزيران/يونيو 2015 في 07:09 |
    بارك الله فيكم وزادكم الله نورا على نور

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر