إِنَّمَا الشَّكوى إلى اللهِ!

ألقيت يوم الجمعة 23 المحرم 1437هـ الموافق لِـ06 نوفمبر 2015م

عباد الله! قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ[يوسف: 111]، ومن أولئك الذين قص الله علينا من أنبائهم لأجل العبرةِ والاِذِّكَار: نبيُّ الله يعقوب (عليه السلام).... نبيُّ الله يعقوب قد أحاط به البلاء وأصابه الهم واستولى عليه الحزن، فصار مملوءً همًّا وحزنًا إلى درجة لم يمكنه إخفاء ذلك وكتمانه، وذلك هو البَثُّ: أَشَدُّ الحزن وأَعظمُ الهم، بحيث يقوى فلا يستطيع الإنسانُ أن يخفيهِ...

فَقَدَ نبيُّّ الله يعقوب ولده يوسف أولاً، ثم فقد ولدَين آخرينِ بعدُ، فقد أولادهُ الثلاثة، قال الله تعالى على لسانه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[يوسف: 83-86]، قال نبي الله يعقوب: «﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، أي: فسأصبر صبرًا جميلا على هذا... حتى يفرجه الله بعونه ولطفه[1]، ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا[2] ، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أي: ﴿الْعَلِيمُ بحالي، ﴿الْحَكِيمُفي أفعاله وقضائه وقدره. ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾، أي: أعرض عن بنيه وقال مُتذكِّرًا حُزنَ يوسف القديم الأول: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، جَدَّد له حزنُ الابنين الحزن الدفين. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق»[3]. وقال بعض المفسرين: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ، أي: مملوء حزنًا.

  وهذا هو الصبر الجميل في قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، أي: لا أشكو ذلك إلى أحد، هو الصبر الذي لا شكوى فِيهِ.

قال بشر بن الحارث (رحمه الله) يقول: «الصبرُ الجميل الذي لا شَكوَى فيهِ إلى الناس».

«فعند ذلك رَقَّ له بنُوهُ، وقالوا له على سبيل الرِّفقِ بهِ والشفقة عليه: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ أي: لا تفارق تَذَكُّر يوسف، ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، أي: ضعيف الجسم، ضعيف القوة، ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ يقولون: وإن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتَّلَف. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، أي: أجابهم عما قالوا بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي﴾، أي: هَمِّي ومَا أَنَا فِيهِ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وَحدَه»... «قال لهم: إِنَّمَا أَشكُو ما بِي إلى اللهِ تعالى لا إِلَيكُم».

«﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: أرجو منه كل خير»[4]

قال: «إِنِّي أَعلمُ مِن إِحسانِ الله تعالى إليَّ ما يُوجِب حُسنَ ظَنِّي بِهِ»... وقال: «أَعلَمُ مِن رحمتِهِ وإِحسانِه ما لا تعلمون، وهُو أنَّه تعالى يأتِيني بالفَرجِ مِن حيثُ لا أَحتَسِبُهُ»...

 

فـ: «الواجبُ على كُلِّ مسلمٍ إذا أُصِيبَ بمَكروهٍ في نفسه أو ولده أو ماله أن يتلقَّى ذلك بالصبر الجميل والرِّضا والتسليم لمُجرِيهِ عليهِ وهُو العليم الحكيم، ويقتدي بنبيِّ الله يعقوب وسائرِ النبيين (صلواتُ الله عليهم أجمعين)»... وعلى المسلم أن يحسن ظنه بربه، ويرجو رحمته، كما كان نبي الله يعقوب يحسن ظنه بربه، قال قتادة (رحمه الله): «ذُكِرَ لنا أن يعقوب لم ينزل بهِ بلاءٌ قطُّّ إلا أتى حُسنُ ظنِّهِ باللهِ (عز وجل) مِن وَرَائِهِ».

عن الحسن البصري (رحمه الله) قال: «من ابتُلي ببلاءٍ فكتَمَهُ (ثلاثًا) لا يَشكُوهُ إلى أحدٍ أَثَابَهُ اللهُ بهِ رَحمتَه»... فاذكروا عباد الله! هذا الشرط؛ وتحلوا بالصبر الجميل، واعلموا أَنَّ «أحسنَ الكلام في الشكوى: سُؤالُ المَولَى زَوَالَ البَلْوَى، وذلك قولُ يعقوب: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾»...

واذكر أن الله تعالى هو الذي أَجرَى عليك ذاك البلاء وقدّره عليك بعلمه وحكمته، واعلم أنك إذا كنت تشكو إلى الناس، فإنما أنت تشكُو من ربك، تشكو اللهَ إلى خلقه، وهذا من أعظم الذنوب لولا عفو الله تعالى، «رأى الحسن البصري (رحمه الله) رجلاً يشكو إلى آخر فاقةً وضرورةً، فقال: يا هذا! تَشْكُو مَن يَرحمُكَ إلى مَن لا يَرحمُكَ

واستمعوا –بارك الله فيكم- إلى هذا الحديث القدسي الذي يرويه نبينا (صلى الله عليه وسلم) عن ربه سبحانه: «قال الله تعالى: إذا ابتلَيتُ عبدِي المؤمناختبرتُه وامتحنتُه، أي: ببليةٍ كمرض وغيره- ولم يَشْكُنِي إلى عُوَّادِهِ«أي: لم يَشْكُ ألمه وشدةَ ما نزل به إلا لربه؛ فإنه لا يشكوه تعالى مؤمنٌ»[5]أطلقته من إِسَاري- أي: من ذلك المرض -، ثم أبدلته لحمًا خيرًا مِن لحمه ودمًا خيرًا مِن دمه، ثم يستأنِف العمل»، أي وغَفرتُ لهُ ما سَلَفَ مِن ذنوبهِ.

عباد الله! فالمؤمن لا يشكو من ربه، بل يسلم ويرضى ويحمد الله تعالى على كل حال، ولا يزال المؤمن يذكر نعمَ الله عليهِ، لا كمن إذا ابتلي بمصيبةٍ ينسَى نعمَ الله التي عندَهُ.

واعملوا أن كثرة الشكوى تدل على ضعف اليقين وتشعر بالتسخط للقضاء.. فإياكم عباد الله! أن تكونوا ممن اعتادوا الشكاية، وإظهار التضجر والتبرّم من أقدارِ اللهِ... فليسوا أولئك من عباد الله الصالحين، ولا ممن يحبهم الله من عباده الصابرين، بل أولئك الشَّاكُونَ مِن ربهم يوشكون أن يعذبهم الله تعالى ويلحقَهم وعيدُ نبيه (صلى الله عليه وسلم)؛ ذلك ما جاء في موعظته (عليه السلام) للنساء يوم العيد؛ حيثُ: «...أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ. فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ وَخَوَاتِيمِهِنَّ»... فقوله: «لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ»؛ أي: الشكاية، يدل  على أن من أسباب العذاب ودخول النار: كثرة الشكوى وعدم التسليم والرضا، ويستوي في هذا الرجال والنساء وإن كان هو من عادة النساء غالبًا... ولما علم خليل الرحمن إبراهيم (عليه السلام) من امرأةِ ولدِه إسماعيل (عليه السلام) الشِّكايَةَ وعدمَ الصبر أَمَرَهُ بطلاقها، كما في الخبر؛ حيثُ: «سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ»، فهذه امرأة غير صالحة! ولا يليق أن تكون تحت نبي... ثم تزوج إسماعيل أخرى، وأتاها إبراهيم: و«سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ»، «نحن في خيرِ عَيشٍ بحَمْدِ اللهِ»، فأمر إبراهيم ولده إسماعيل بإبقائها لأنها امرأة راضية  شاكرة... امرأة صالحة!

 

الخطبة الثانية:

عباد الله! لقد جاء في القرآن والسنة ما يدل على جواز الشكوى، وهذا لا يعارض ما قررناه آنفا، ودَعُونَا نقولُ: هناك شكوى مذمومة ممنوعة تضرّ، وشكوى جائزة لا تضرّ أو يُسَامَحُ فيها.

 أمّا الشكوى الضارة؛ فهي الشكوى إلى الناس المنبِئة عن تسخُّطٍ لقدر الله وتبرُّمٍ وتضجُّرٍ مِن قضائهِ، شكوى العبد وهو غيرُ راضٍ عن ربِّهِ!...

أمّا مَن أَظهرَ الشكوى إلى الناس وهُوَ رَاضٍ بقضاءِ الله فلا تضرّهُ، ولا يعني ذلك أنه مُتسخِّطٌ أو غير صابرٍ! وتجِدُه مع ذلك يحمدُ اللهَ أولاً، وفي حقيقةِ الأمر ليسَ هو يشكُو ولا نعتبره شاكيًا على الحقيقة، أو شاكيًا ربَّهُ، وإنما سميناها شكوى تجوزًا، وهيَ لا تَعدُو أن تكون إخبارًا عن الواقِع وإظهارًا للحال لأجل غرضٍ مقبول، ويُرجعه العلماء إلى أمور، منها:

 ـ شكوى وتَشَكٍّ ما هو إلا طبيعة بشرية يراد منها الاسترواح كالتوجع والأنين عند المرض، ويدل عليهِ ما ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في مرضه حينما قال لعائشة: «وارَأْسَاهُ من شدة ألم الصداع والوجع، قالها «على وجه الإِخبار لا الشكوى»، وهذه استراحةٌ مَعفوٌّ عنها...

ـ كذلك قد يتوجع المريض يريد إعلامَ مَن حولَه بحالِهِ طلبًا للعُذر، أو ليتهيؤوا للقيام بما يلزم من أمور التمريض والخِدمَة، يقولها الإنسان لأهل بيته وهم أهل الشفقة عليه والرعاية...

ـ كذلك يُبْدِي الإنسانُ حالته إلى مَن يرجو منه النفع، ودليله في القرآن مخاطبة إخوة يوسف للعزيز: ﴿أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ[يوسف: 88]، ﴿مَسَّنَا﴾، أي: أصابَنا، ﴿وَأَهْلَنَا الضُّرُّ، أي: الجُوعُ والحاجة!

ودليله أيضًا: ما ثبت أن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (سيدة نساء العالمين رضي الله عنها)، جاءت إلى أبيها تشكو إليهِ ما كانت تُقاسِيهِ مِن طحن الشعير ومن مُقالبة الرَّحَى، حتى أثّر في يديها وتأذّت بسبب ذلك، وإنما جاءته تشكو بمعنى تخبره بحالتها، والذي دفعها إلى ذلك هو أنها سمعت بأن رسول الله جاءه رقيقٌ، أي: خَدَمٌ مِن السَّبْي، فطلبت أن يعطيها خادمًا تستعين به في الخدمة، فلم يُعطِها (صلى الله عليه وسلم)! بل وَكَلَهَا إِلَى اللَّهِ، وقال لها: «اصبري يا فاطمة، ودَلَّها على ما هُو خيرٌ لها من خادِم وهو ذِكرُ اللهِ...

 

وفي هذا – كُلِّهِ- دليلٌ على جواز الشكوى عند الضُّرّ... قال العلماء: «يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِخْبَارِ عَمَّا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ شِدَّةِ أَلَمِ الْجُوعِ ، أَوْ الْمَرَضِ لَا سِيَّمَا إِذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ مَنْ يَعْلَمُ إشْفَاقَهُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَرْجُو مَنْفَعَةً مِنْ عِنْدِهِ مِنْ دُعَاءٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ مَنْ يُرِيدُ إعْلَامَهُ بِحَالِهِ لِيَأْخُذَ لِذَلِكَ أُهْبَتَه»... ولا يعتبر في هذه الأحوال شاكيًا ربه، «إنما الشاكي ربه تعالى من أخبر عما أصابه من الضر والبلاء متسخطًا قضاء الله فيه»، أما من أخبر  صديقه عن حاله فلا بأس، أو أخبر إخوانه ليدعو له بالشفاء والعافية فلا حرج، «فإذا حَمِدَ اللهَ ثم أَخبرَ بعِلَّتِهِ لم يكن شكوى... ».

والمقصود أن الذي يمنع ويضرّ هو شكوى العبد ربه؛ وشكواه إنما هو ذِكرُهُ ضُرَّهُ للناس على سبيل التَّضَجُّر والتَّبَرُّم والتَّسَخُّط، وهذا راجعٌ إلى النية والقصد...



[1] - «تفسير ابن كثير» (4/375).

[2] - «تفسير ابن كثير» (4/404).

[3] - «تفسير ابن كثير» (4/405).

[4] - «تفسير ابن كثير» (4/405-406).

[5] - «التنوير» للصنعاني (8/27).

  • كتب المقال: المشرف العام
  • التصنيف: خطب ومواعظ
  • أضيف المقال بتاريخ: الأحد, 08 تشرين2/نوفمبر 2015
  • عدد الزوار: 1561

سمير سمراد

بسم الله الرحمن الرحيم , سمير سمراد خادم العلم, إمام خطيب بالجزائر العاصمة والمشرف العام على موقع «مصابيح العلم»

التعليقات (0)

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر