وَصَايَا الكِبَار لِلمُسلمِين شُعُوبًا وحُكُومَاتٍ (سنة 1373هـ= 1954م)

هذا نقلٌ تاريخيٌّ مُهِمٌّ نشرته جريدة «البصائر»[لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين]،  في سلسلتها الثانية، في العدد (286)، يوم الجمعة 24 محرم 1374هـ موافق  27 سبتمبر 1954م، (ص7). وهُوَ إِخْبَارٌ عن مجرياتٍ لقاءٍ تَمَّ بينَ كِبار العلماء من أقطار مختلفةٍ، تَمَّ بالبَلَدِ الحرامِ بمكةَ شَرَّفَهَا اللهُ، في دار المُفتي الأكبَر للمملكة العربية السعودية؛

الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (رحمهم  الله). وهُوَ مِن منافعِ الحجِّ (اجتماع المسلمين الأكبَر)، وانفصلَ هؤلاء القَادَة عن تَوصِيَاتٍ لعموم الأمة الإسلامية مهما اختلفت أقطارُها!  كانت هذه الوصايَا للمسلمين عمومًا ولعلمائهم خصوصًا، وصايا للشعوبِ والحُكُوماتِ... وهي وإِنْ كانت في تَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ وزمانٍ سابِقٍ (سنة 1373هـ= 1954م)، إِلاَّ أَنَّها وصايا (خَالِدةٌ)! لا تنقضِي بانقضاء زمانِها، سيَّما وَمِحَنُ المسلمين هيَ هيَ! وحاجتُهُم إلى التَّذكِيرِ بمِثلِ هذهِ الوَصايا لاَ تَزَالُ قائِمَةً، ولمِاَ فِيهَا – أيضًا- مِن العِبْرةِ التاريخيَّة، أَسُوقُهَا لِلقُرَّاءِ الكِرَامِ:

يَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ

في دَارِ فَضِيلَةِ المُفتِي الأَكبَر بمَكَّةَ

«بمُناسبةِ أداء فريضة الحج المبارك قَصَدَ أصحابُ الفضيلة والسماحة: الشيخ محمد العزيز جعيّط؛ شيخ الإسلام المالكي بتونس، والشيخ حسنين محمد مخلوف؛ مفتي الديار المصرية السابق وعضو جماعة كبار  العلماء، والشيخ محمد الشاذلي ابن القاضي؛ الأستاذ بجامع الزيتونة، إلى دار صاحب السماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ؛ المفتي الأكبر للمملكة العربية السعودية؛ لزِيارتِه وتَوثِيق عُرَى المَوَدَّةِ، فَاستَقبَلَهُم سماحتُهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِم مِن الحَفَاوةِ والإِكرام، وتَجَاذَبُوا في جَمعٍ مِن العُلماءِ أَطرَافَ الأَحاديثِ في الشُّؤُونِ الَّتِي تَهُمُّ المسلمين في الآوِنةِ الحَاضِرَةِ، وفِيمَا يَجِبُ عليهِم أَفرَادًا وحُكُومَاتٍ مِن الكِفاحِ القَوِيِّ في سَبِيلِ إِعْلاَءِ كلمةِ الِإسلامِ وإِحْيَاءِ مَجْدِهِ التَّلِيد وعِزَّةِ المُسلمين وقُوَّتِهِم وحِمَايَتِهِم مِمَّا يُدَبَّرُ لهُم، ومِمَّا اتَّفَقَت عَلَيهِ الكلمةُ في هذا الاِجتماعِ أَنَّ الأَساسَ الأَوَّلَ الَّذِي يَجِبُ أَن يَكُونَ دُستُورُ الحُكوماتِ الإسلامية عَامّة ومَرجِعُها في مختلفِ الشُّؤُون هُوَ كتابُ اللهِ تعالى وسُنَّةُ رسولِهِ (صلى الله عليه وسلم)؛ فهُمَا وَحدَهُما النَّجَاةُ مِن الشُّرُورِ والفَوزُ بِالخَيرِ، وفِيهِمَا ما يَكفُلُ سعادةَ الفَرْدِ والأُمَّةِ، وَفِيهِما أُصُولُ الحُكْمِ العَادِلِ لمن شاءَ أن يَستَقِيم وقَواعِدُ السِّيَاسَةِ الرَّاشِدَةِ والمُعامَلاَت المَالية السَّلِيمَة مِن جَرَاثِيم الرِّبَا الفَتَّاكَة والفَسَاد الذَّرِيع، وفِيهِمَا أُسُسُ الفَضَائِل الاِجتماعية وحُقُوقُ الفَرْدِ والجماعةِ والوَاجِبَاتُ على كُلٍّ  مِنهُمَا.

وعلى الجُملةِ، فكَفَالَةُ شريعةِ الإِسلامِ القائِمِ على هذَين الأَصلَين لِسعادةِ الفَرْدِ والمجتمعِ في كُلِّ عَهدٍ وزَمانٍ مِمَّا لا يحتاج إلى بُرهانٍ.

وقد بُعثَ الرسولُ (صلى الله عليه وسلم) بهِمَا، فمَا انقضى على دعوتِهِ ثلاثٌ وعشرون سنةً حَتَّى أَشرَقَ نُورُ الإِسلامِ في الآفَاقِ وتَبَدَّدَ الظُّلمُ والشِّرْكُ والجَهْلُ أَيْدِي سَبَأ، وقَامَت أَقوَى دَولةٍ وأَعَزُّ أُمَّةٍ عَرَفَها التَّارِيخ وخَضَعَ  لها الدَّهْرُ في ظِلِّ هذهِ التَّعَالِيم الحَقَّة الرَّاشِدَة.

فَلْيَسْلُكِ المُسلمُونَ شُعُوبًا وحُكُوماتٍ جَادَّةَ أَسلاَفِهِم، ولْيَتَدَبَّرُوا قَولَهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام: 153] وَلْيَعْلَمُوا شُعوبًا وحُكوماتٍ أَنْ لاَ عِزَّ ولاَ مَجْدَ ولاَ نَصْرَ ولاَ فَوْزَ إِلاَّ بِالاِعتصامِ بِحَبْلِ اللهِ المَتِين كما يُشِيرُ إليهِ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40] وقَولُهُ تعالى:  ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[محمد: 7]، وإِنَّ العَوْنَ الإِلهِي والتَّأيِيدَ الرَّبَّانِيَّ مَرهُونٌ بِطاعةِ اللهِ والعَمَلِ بشَرِيعَتِهِ والوُقُوفِ بِحُدُودِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[البقرة: 229] ومِمَّا تَنَاوَلَهُ الحديثُ أُمورٌ هَامَّةٌ.

أولهاـ وُجُوبُ تَثْقِيفِ الناشئةِ في الأقطار الإسلامية تثقيفًا إسلاميًّا صحيحًا، وتَعلِيمها مَا لا بُدَّ مِنهُ مِن كتابِ اللهِ تعالى وأَحكامِهِ حَتَّى تَقوَى على مُقاومَة تِلك التَّيَّارات الجَارِفة ويَنشَأ الجِيل  الجَدِيد على خيرٍ وهُدًى ومَنجاةٍ مِن الشُّرُور.

ثانيها ـ التَّسَلُّح القَوِيّ بِمَا تُنَازِلُ بِهِ الشعوبٌ الإسلاميةٌ وحكوماتٌها خصومَهم في ميدان الكِفاح والجهادِ في هذا العصر.

وقَد أَمَرَ الإِسلامُ بإِعدادِ القُوَّةِ ولم يُحَدِّدْهَا، وإِنَّمَا ضَرَبَ لها الأَمثالَ، ليَستَمِدَّ المُسلمُونَ في كُلِّ عَصرٍ بِمَا يُناسبُهُ ويَحمِيهِم مِن العُدوَانِ والشُّرُورِ.

ثالثها ـ وُجُوبُ قِيَامِ الفَرْدِ بِمَا في استطاعتِهِ وقِيَامِ الحُكوماتِ بِمَا فَوقَ طاقةِ الأَفرَادِ؛ لإِعْزَازِ الدِّينِ والأُمَّةِ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8].

رابعها ـ قِيَامُ العُلماءِ  بواجِبِهِم الدِّينِيّ عِلمًا وعَمَلاً وتَعلِيمًا وإِرشادًا ونُصحًا لأَئِمَّةِ المُسلمين وعَامَّتِهِم، حَتَّى تَكونَ حَقِيقَةُ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) بَينَ المُسلِمِينَ فِي غَايَةِ الوُضُوحِ، وحَتَّى يَعُودَ المُسلِمُونَ إلى مَجْدِهِم الأَوَّل، ويَكُونُوا يَدًا وَاحِدةً على مَن سِوَاهُم فِي إِعْلاَءِ كلمةِ رَبِّهِم.

وقَد تَبادَلَ حضراتُ الشيوخِ الأَجِلاَّء الرَّأيَ فِي أُمُورٍ هَامَّةٍ تَتَّصِلُ بهَذَا المَوقِفِ، وبَعدَ فَترَةٍ قَصِيرَةٍ  وَدَّعَ سماحةُ المفتي  الأكبر ضُيُوفَهُ الكرام بِمَا يَلِيقُ بِهِم مِنَ التَّجِلَّةِ والاِحتِرَامِ.

وَفَّقَ اللهُ أَئِمَّةَ المسلمينَ لِمَا فِيهِ الخَيْرُ العَمِيمُ»اهـ.

التعليقات (0)

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر