ابْنُكَ في المسجِدِ... ولَكِنْ!

ليعلَم المسلِمون أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى أمرَ بِبِناءِ المساجِدِ ورَفْعِها وإِعْلائِها، قال سبحانَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾[النور:36]، وبيَّنَ تعالى المقصودَ من ذلكَ فقالَ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللِه وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾[النّور:36]، فهيَ في الأَصْلِ للصّلواتِ والأذكار من التّسبيحِ والتّكبيرِ وقراءةِ القرآن وتَدَارُسِهِ، لهذا بُنِيَتْ وبِهذا تُعْمَرُ.

والمُخاطَبُ بذلكَ أَصَالةً هُمُ الرِّجالُ لقولِهِ: ﴿رِجَالٌ﴾؛ ولأنَّ التّكليفَ إنَّما يقعُ على البالغِين الّذينَ دخلُوا في سِنِّ الرُّجولةِ؛ ولأنّهم الّذينَ يُؤدُّونَ حقَّ المسْجِدِ ويَعْمَلُونَ فيهِ ما أمرَهُمُ اللهُ تعالى بِهِ، دونَ غيرِهم ممّن لم يبلغ سنَّ التّكليف من الصِّغارِ والصِّبْيَان.

 

 لكنْ هؤلاءِ الصِّغَارُ إذا كانُوا مُقارِبِينَ وصارُا شيئًا فشيئًا يَحْتَمِلُونَ التَّعليمَ والتَّأديبَ؛ بأَنْ حصلَ عندهُم تمييزٌ وبلغُوا سِنًّا يَعْقِلُونَ فيهَا ويُدرِكُونَ الأُمُور الّتي يَرَوْنَها ويسمعُونَها، هؤلاءِ شَرَعَ نبيُّ الإسلامِ (صلّى الله عليه وسلّم) في حقِّهِمْ ما يأخذُ بأيديهِمْ إلى مَعَالي الرُّجولة ويُلْحِقُهُم بالكِبارِ ويُشبِّهُهُم بالمُكلَّفين.

 

وممّا وَقَعَ بِهِ التَّكليفُ عَلَى الرِّجالِ: الحضورُ إلى المساجِدِ وشهودُ صلاةِ الجماعةِ فيها مع الإمام.

ومن علاماتِ الإيمانِ تَعلُّقُ القلوبِ بالمَسَاجِدِ، يقولُ (صلّى الله عليه وسلّم): «المَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ»[«صحيح التّرغيب»(رقم:330)]. فلا زالت قُلُوبُ المؤمنِينَ مُعلَّقةً بالمساجِدِ، تَحِنُّ إلى الرُّجُوعِ إليهِ كلَّمَا غَادَرَتْهُ.

 

* ابْنُكَ في المسجِدِ:

 اعلَمُوا أيُّها الآباءُ! أنَّهُ ينبغي أن يُحْضَرَ الأبناءُ أيضًا إلى المسجِدِ، وأن يُعَوَّدُوا على ذلكَ، فهُوَ مِنَ الخَيْرِ الّذي أَمَرَ اللهُ بِهِ، وهوَ من الطَّاعةِ الّتي تَقِي صاحِبَها من النَّار، ولِيُنشَّؤُوا مِن صِغَرِهِمْ على حُبِّ العبادةِ والتّعلُّقِ بالمسجِدِ.

 

* إِرْشَادٌ وتَذْكِيرٌ:

وهذا تَذْكِيرٌ ببعضِ ما يَلْزَمُ الآبَاءَ:

1ـ رَغِّبُوا أبناءَكُم في الذّهابِ إلى المسجِدِ ومُشاركةِ الرِّجالِ والصّلاةِ مع المُصلّين، فإنِ استجابُوا، فعليكم تَنْبِيهُهُم على حُرْمَةِ المسجِدِ، وأنَّهُ مكانٌ للعبادةِ وفِعْلِ الصَّلاةِ، وليس مكانًا لِلَّعِبِ والعَبثِ وغيرِها مِن أفعالِ الشَّارِعِ والطَّريق، بلْ يلْزَمُ فيهِ التَّأَدُّبُ دَاخِلَهُ وأَدَاءُ حَقِّهِ ومُراعاةُ حُرْمَتِهِ. فهكذَا يُحضَّرُونَ قبلَ الذَّهابِ بِهِم إلى المسجِدِ.

 

2ـ كما لا ينبغي أن يُترَكُوا لوَحْدِهِم ويُرسَلَ بِهِم إلى المسجِدِ بِمُفْرَدِهِم، بل الّذي ينبغي أن يكونَ ذهابُهُم برُفْقَتِكُم وفي صُحْبَتِكُم، ليَتَسَنَّى لَكُمْ مُراقبَتُهم ومُلاَحَظَتُهُم، ولإِتْمَامِ ما بَدَأْتُم بِهِ معهُم في البيتِ مِن تعليمِهم وتأديبِهم وتَرْبِيَتِهم. فكثيرًا ما يجدُ الصّبيان رُفَقَاءَهم وأَقْرَانَهُم في المسجِدِ، فيأخذون في الجَرْيِ واللّعب والعَبَث والثّرثرة ورفعِ الصّوت والانتقال من مكانٍ إلى مكان، وأحيانًا يكونُ ذلكَ أثناءَ الصّلاةِ فيُسبِّبُونَ شيئًا من الفوضى والتّشويش. وإذا كانَ بعضُهُمْ إلى جَنْبِ بعضٍ في الصّفّ، فيُحْدِثونَ اختلالاً في الصُّفوف... وهذه مسؤوليّةُ الآباءِ! فقد كانَ الأَوْلَى بهم أن يُبْقِيَ كلُّ واحدٍ منهم ابْنَهُ بِجَنْبِهِ ويُبْعِدَهُ عن أقرانِهِ ولا يترُكُهُ يجتَمِعُ بهم، ثمَّ يُوجِّهُهُ ويُرشِدُهُ ويُعيدُ عليهِ ويُؤكِّدُ في التزامِ أَدَبِ المسجِدِ وأَدَبِ صلاةِ الجماعةِ وعدمِ الإخلال بطمأنينةِ المُصلِّين، وكلَّما تركَ الولدُ شيئًا من الأدب عادَ إِليهِ بالتّنبيه  والتّحذير.

 ولا بأسَ أن يأخذَ الأبُ ذاتَ اليمين أو ذات الشّمال في جَنْبِ الصّفّ، ليكونَ في شيءٍ من السَّعَةِ وهو يُحاوِلُ مع ولَدِهِ في لُزُومِ السّكينةِ وعدمِ الإخلالِ بِالصّفّ.

كما يُعلِّمُهُ عدَمَ مسابقةِ الإمامِ وعدمَ الاِلْتِفَاتِ، وغير ذلك مِن الحركات الّتي تُضَيِّقُ على المُصلِّين وتقطَعُ عليهم خُشُوعهُم.

ومَن جاءَ من الصّبيانِ إلى المسجِدِ دونَ أبيهِ أو مُرَافِقِهِ، فإنّ على مَن رآهم أن يُفَرِّق بينهم دُونَ أن يُعَنِّفهم أو يَطرُدَهم، بل وَيُستحسَنُ أن يتطوَّعَ من المُصلّين مَن يُرشِدُهم ويُعلِّمُهم أدَبَ المسجِدِ، وممَّا يُنقَلُ عن الإمامِ مالكٍ (رحمه الله) أنَّهُ قالَ: «الأَفْضَلُ أن يَجْعَلَ في الصَّفِّ بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ صَبِيًّا؛ ليتعَلَّمَ أَدَبَ الصَّلاةِ وخُشُوعَهَا»[«فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن رجب(5/301)].

 

* تنبيهَاتٌ:

1ـ يظنُّ بعضُ النّاسِ جَهْلاً! أنّ الصّبيانَ يُجنَّبُونَ المسجِدَ ويُخْرَجُونَ منهُ، وترَاهُم يَعِيبُونَ وجودهم في صفوفِ الرّجال ويُردِّدُون حديثًا ضعيفًا لم يثبُت عن النّبيِّ (صلّى الله عليه وسلّم): «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكم صِبْيَانَكُمْ»!

والحقُّ والصّوابُ: أنَّهم كالرِّجال بعدَ أن بلغُوا سِنًّا يُميّزُونَ فيها ويعقلونَ الأمور ويفهمُونَ، فهُمْ في مَدَارِجِ الرُّجولة، ومِن هذا السّنِّ  يبدأُ احْتِكاكُهُم بالرِّجال فيتطَلَّعُونَ إلى أن يَعملُوا عمَلَهم ويُحَبَّبُ إليهِم مُبَكِّرًا أن يبلغُوا مبلَغَهُم حالَ كِبَرِهِم. وقد نَقَلَتْ إلينا أنباءُ التّاريخ والسِّيَرِ أنّ صغارًا دُونَ سِنِّ العَاشِرةِ زاحمُوا الكبارَ في حِلَقِ العلمِ وسماعِ الحديثِ، ومَضَوا في هذه السِّيرَةِ النّبيلةِ فكانُوا بَعْدُ مِن كبارِ النُّبَلاء ومشاهيرِ العلماء؛ فَـ«صِغارُ اليومَ كبارُ الغَدِ». هذا الحالُ في العِلْمِ، أمّا الحالُ في الصّلاحِ والعبادةِ؛ فالحكمةُ في ذلك: «تَعْوِيدُهُمْ على الطَّاعةِ وحُضُورِ الجماعةِ منذُ نُعُومةِ أظفارهم؛ فإنّ لِتِلْكَ المشاهدِ الّتي يَرَوْنَها في المساجد وما يَسمعونهُ - من الذِّكْرِ وقراءةِ القرآن والتّكبيرِ والتّحميدِ والتّسبيحِ - أثرًا قويًّا في نُفُوسِهِم - من حيث لا يشعرون - لا يزول أو من الصَّعبِ أن يَزولَ حينَ بُلُوغهم الرُّشد ودُخولِهِم مُعْتَرَكَ الحياة وزَخارفها»[«الثّمر المستطاب في فقه السّنّة والكتاب»للألبانيّ(ص761)].

 

2ـ هناكَ حالاتٌ نضطرُّ فيها إلى منعِ (بعضِ) الصّغارِ من المسجِدِ وإخراجِهِم منهُ- وإن كانَ الأصلُ أنَّهُ لا مانعَ من وجودِهم فيهِ بل يُرغَّبُ في إدخالِهم والإتيانِ بِهِم للحكمةِ الّتي ذَكَرْنَا-، وذلكَ إذا كانُوا يلعبُونَ فيهِ ويَعْبَثُونَ ويرفَعُونَ الصَّوتَ ويُحْرِجُونَ النّاسَ ويُؤْذُونَ المُصلِّينَ!

نُقِلَ عن أمير المؤمنين عمرَ بن الخطّاب (رضي الله عنه) أنَّهُ «كانَ إذا رأى صِبْيَانًا يَلْعَبُونَ في المسجِدِ ضَرَبَهُمْ بالمِخْفَقَة - وهي الدِّرَّة [وهُوَ ما يُضْرَبُ بِهِ كالسَّوْط]»[« تفسير ابن كثير»(6/64)].

وقال الشّيخ ابنُ عثيمين (رحمه الله):  إِذَا كانَ «مِنَ الصَّبِيِّ حَدَثٌ مِن لَعِبٍ أو نحوِهِ فحينئذٍ يَتَكَلَّمُ مَعَ وَلِيِّهِ ويُشِيرُ عليهِ أن لا يأتيَ بِهِ؛ لأنَّهُ يُؤذِي المصلِّين ويُشَوِّشُ عليهم، فإن مَنَعَهُ وَلِيُّه فهذا المطلوب، وإن لم يمنعْهُ فللقَائِمِ على المسجدِ أن يَمْنَعَ هذا الطِّفلَ. وأمَّا مَعَ أَدَبِ الطِّفلِ وعدمِ أَذِيَّتِهِ فإنَّهُ كغَيْرِهِ مِن المصلِّين لهُ الحقُّ في المكانِ الَّذي يَجْلِسُ فِيهِ»اهـ.

 

3ـ الصّبيُّ إنَّمَا يَصُفُّ معَ الرِّجال إذا كانَ تعلَّمَ الوُضوءَ والصَّلاةَ كما هو المفترَضُ فيمن بَلَغُوا سبعَ سِنين فما فوق، فإذا كانُوا يَحْضُرونَ المسجِد في هذه السّنِّ أو ما دُونَها ولا يَعرِفونَ وُضُوءً ولا صلاةً! فهؤلاءِ لا يقِفُونَ في الصّفِّ مع الرِّجال؛ لأنَّ وُقُوفَهُمْ إِذْ ذَاكَ يُعَرِّضُ الصَّفَّ للانقِطَاع، وقد نُهِينَا عن قَطْعِ الصُّفوفِ وأُمِرْنَا بِوَصْلِهَا.

 ـ سُئلَ الشّيخ ابنُ بازٍ (رحمه الله):  «بعضُ النّاس يصطَحِبونَ أبناءَهم الصّغار إلى المسجد، وقد لا يكونُ الأطفالُ على وضوء ويُقدِّمونهم بجوارِهم في الصّفّ الأوّل، فما الحُكْمُ؟»، فأجابَ: «إذا كانُوا أبناءَ سبعِ سنين [... فأكثر] لا بأس، أمَّا دُونَها يَبْقَوْا في البيُوت أو وراءَ النَّاس، فإذا كان ابنُ سبعِ سنين أو أكثر، لا بأس أن يُصلّي مع النّاس ويَتَقَدّم، ويُعلَّم الوُضوء كما أمرَ النّبيُّ بهذا، النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أَمَرَ، قالَ: «مُرُوا أبناءكم بالصّلاة لسبعٍ، واضربُوهم عليها لِعَشْرٍ»، فإذا كانَ الابْنُ ابْنَ سبعٍ أو ثمانٍ أو تسع، يُعَلَّم يُصلّي مع النّاس، وفي العَشْر يُعلَّم ويُضرَب إذا تخلَّف، وهكذا البنتُ تُعَلَّم»اهـ.

ـ وقالَ الشّيخُ محمّد أمان بن عليّ (رحمه الله): «وأمَّا تساهُلُ كثيرٍ مِن النَّاسِ؛ الّذي يَحْمِلُ معهُ طِفْلَهُ إلى المسجدِ ابنَ سبعٍ أو دُونَ سَبْعٍ على غيرِ طهارةٍ وبدونِ معرفةٍ للصَّلاةِ، فيُوقَفُ في الصَّفِّ؛ فيُعْتَبَرُ الصَّفُّ مَقْطُوعًا؛ لوقوفِ هذا الطِّفلِ في الصّفِّ، لأنّهُ غيرُ مُصَلٍّ، يَنْطَبِقُ على هذا الشَّخصِ قولُهُ (عليه الصّلاة والسّلام):  «مَن وَصَلَ الصّفَّ وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَ الصَّفَّ قَطَعَهُ اللهُ». تَحْمِلُ طِفْلاً لا يَعْقِلُ الصَّلاَةَ، فتُوقِفُهُ في الصَّفِّ الأوَّلِ خَلْفَ الإمامِ مَعَكَ، والنّاسُ تَسْكُتُ مُجَامَلَةً، وهُو ليسَ في الصَّلاة، رُبَّمَا ليسَ على طهارةٍ حتَّى في بَدَنِهِ؛ لأنَّك أَخَذْتَهُ مِن أمام البيت، قبلَ أن تُعَلِّمَهُ الطَّهارةَ والصَّلاةَ، هذا تَصَرُّفٌ خَطَأٌ، فالواجبُ أَن تُعلِّمَهُ في البيتِ كيفَ يَتَطَهَّرُ وكيفَ يُصَلِّي...»اهـ.

 

أَبْنَاءُ دونَ السّبعِ سنواتٍ في المسجِد!:

كان ما تقدَّمَ في أبنائِنا الّذين بَلَغُوا سبعَ سنينَ فما فوقَ ممّن إذا خاطَبْتَهُمْ فهِمُوا مِنْكَ وعَقَلُوا عَنْكَ؛ إِذْ لهم تمييزٌ وإِدْراكٌ. أمَّا مَن كانُوا دونَ هؤلاء! ممّن لم يَبْلُغُوا السِّنَّ الّتي يُؤمَرُونَ فيها بالصّلاة، فإنَّهُ لا بأسَ بإحضارِهم إلى المسجِدِ؛ فقد قال أنسٌ(رضي الله عنه):

 «كان رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه وسلّم) يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبيِّ مَعَ أُمِّهِ وهُوَ في الصَّلاةِ فَيَقْرَأُ بالسُّورةِ الخفيفةِ أو بالسُّورةِ القصيرةِ»[رواهُ مسلمٌ]. وكانَ الحَسنُ والحُسَينُ يَأتيانِ المسجِدَ صَبِيَّيْنِ وهُمَا يَتَعَثَّرَانِ، وجاءَ (صلّى الله عليه وسلّم) ببِنْتِ ابْنتِهِ «أُمامة» إلى المسجِدِ وصلَّى (صلّى الله عليه وسلّم) وهُوَ يَحملُها على عاتِقِهِ فإذا ركَعَ وَضَعَهَا وإذا رَفَعَ حمَلَهَا.

 

 لكن هناكَ شروطٌ ينبغي مُراعاتُها؛ حيثُ:

سُئِلَ الإمامُ مالكٌ  (رحمه الله) عن الرّجلِ يأتي بالصّبيِّ إلى المسجد، أَيُسْتَحَبُّ ذلك؟ قال: «إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ مَوْضِعَ الأَدَبِ وعَرَفَ ذَلِكَ ولا يَعْبَثُ في المسجِدِ، فلاَ أَرَى بَأْسًا، وإِنْ كَانَ صَغِيرًا لا يَقِرُّ فِيهِ، فلا أُحِبُّ ذلك»[«البيان والتّحصيل» لابن رشد(1/183-184)].

«وسُئِلَ مالكٌ عن الصِّبْيَانِ يُؤْتَى بهم إلى المساجد؟ فقال: إِنْ كَانَ لاَ يَعْبَثُ لِصِغَرِهِ ويَكُفّ إِذَا نُهِيَ فَلاَ أَرَى بِهَذَا بَأْسًا، قالَ: وَإِنْ كَانَ يَعْبَثُ لِصِغَرِهِ فَلاَ أَرَى أَنْ يُؤْتَى بِهِ إِلَى المَسْجِدِ»[«المدوّنة» (1/195)].

وعلى هذا قالَ الفقهاءُ المالكيَّةُ: «يُجَنَّبُ الصّبيُّ المسجدَ إِذَا كَانَ يَعْبَثُ أَوْ لاَ يَكُفُّ إِذَا نُهِيَ»[«التّاج والإكليل»(2/115)].

 

وعلى هذا ينبغي للآباءِ أن لا يُحْرِجُوا أنفسهم ولا يُحْرِجُوا النّاس ولا يفتنُوهُم باصطِحابِ أبنائِهم؛ وهم يعلَمُونَ أنّ هذا الصّبيَّ يَصْدُرُ منهُ ما لا يليقُ ببيوتِ اللهِ، والحَالُ أنَّهُ لا يَفْهَمُ ولا يَسْتَجِيبُ إذا نَهَيْتَهُ ولا يَسْتَمِعُ ما تَأْمُرُهُ بِهِ! وكُلٌّ أَعْرَفُ بِوَلَدِهِ، والوَاجِبُ «تَنْزِيهُ المساجِدِ عن لَعِبِ الصِّبْيَانِ»[«شرح الخرشي على مختصر خليل»(2/34)].

قال الشّيخ ابن عثيمين (رحمه الله): «ينبغي لأولياءِ الأُمُور ألاَّ  يَأْتُوا بمِثْلِ هذا الطِّفلِ الصَّغير[يَعْنِي: مَن كانَ دُونَ خمسِ سِنِين]؛ لأنَّهُ يَشْغَلُ المصلِّين، فإمَّا أن يَعْبَثَ حَالَ وُجُودِهِ في الصَّفِّ، فيَشْغَلَ مَنْ حَوْلَهُ، وإِمَّا ألاَّ يَعْبَثَ ولكنْ يَشْغَلُ وَلِيَّ أَمْرِهِ. نَعَمْ! إنْ دَعَتْ الضَّرُورةُ إلى ذلكَ مِثِلُ ألاَّ يَكُونَ في البيتِ أَحَدٌ معَ هذا الطِّفلِ الصَّغِيرِ أَوْ ليسَ مَعَهُ إلاَّ أطفالٌ لا يَعْتَمِدُ الإنسانُ على حِفْظِهِمْ لَهُ، ويَخْشَى وَلِيُّهُ أن يَعْبَثَ هذا الطِّفلُ بنَارٍ أو غيرها، فهذهِ ضرورةٌ لا بَأْسَ أن يُحْضِرَهُ، ولكن عَلَيْهِ أن يَكُفَّ أَذَاهُ عنِ المصلِّين»اهـ.

وقد أفادَ هذا الكلامُ أنَّ وَلِيَّ الطّفل الّذي هو دونَ سِنِّ التَّمييز، إِنْ أَمِنَ أن لا يصدرَ مِن طفلِهِ أَذِيَّةٌ، فإنَّهُ سيكونُ مُشَوَّشًا بِنَاءً على مُحَافَظَتِهِ على الطِّفل وانشغالِهِ بِهِ حتَّى لا يُؤْذِيَ نفسَهُ! فالأَوْلَى والحالُ ما ذُكِرَ أن يترُكَهُ في البيتِ ولا يأتي بِهِ. يقولُ الشّيخ ابنُ عثيمين: «ثُمَّ إذا كان صَغِيرًا عَلَيْهِ الحَفَائِظ[أو الحفَّاظَات] فَلَنْ يَسْتَفِيدَ مِنَ الحُضُورِ، أمَّا مَنْ كانَ عُمْرُهُ سبعَ سنواتٍ فأكثرَ ممَّنْ أُمِرْنا أَن نَأْمُرَهُم بالصَّلاةِ، فهُمْ يَسْتَفِيدُونَ مِن حُضُورِ المساجِدِ».

وعلى هذا فعَجَبُنا لا يَكَادُ يَنقطِعُ مِن أُناسٍ صارَ دَيْدَنُهُم إحضارُ صغارِهِم دُونَ سِنِّ التَّمْيِيزِ والإدْرَاكِ، وكأَنَّهم يَحرصُونَ على ذلِكَ ولَوْ على حِسَابِ رَاحَةِ وطُمأنينةِ المُصلِّين! وفي المُقابلِ لهم أولادٌ في سنِّ الصّلاةِ كانَ الأَوْلَى الإتيانُ بهم إلى المسجِدِ وأن يكونُوا بجانبهم في الصَّفِّ، لكنَّهم لا يَفْعَلُونَ! ونقولُ لهؤلاء: لا تَقْلِبُوا الوَضْعَ، وأَرْجِعُوا الأُمورَ إلى نِصَابِها: فمَن كان مكانُهُ في البيتِ فأَبْقُوهُ في البَيْتِ، ومَن كانَ مكانُهُ المسجِدُ فَأْتُوا بِهِ إلى المسجِدِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، لِتُعَانُوا على اسْتِكمَالِ تَرْبِيَتِهِ ولِيَتَعلَّمَ الخَيْرَ، ولا تُسْلِمُوهُ إلى الشَّارِعِ والطَّريقِ، يَلْتَقِط فيهِ سَيِّءَ الأخلاقِ وفاسِدَ الطِّبَاعِ.

نسألُ اللهَ تعالى أن يُعيننَا على إصلاحِ أولادِنا وتربيتِهِم.

 

 

 

 

سمير سمراد

بسم الله الرحمن الرحيم , سمير سمراد خادم العلم, إمام خطيب بالجزائر العاصمة والمشرف العام على موقع «مصابيح العلم»

التعليقات (0)

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر