تقديم فضيلة الشّيخ الدّكتور فريد عزُّوق الجزائريّ لكتاب «الوهَّابِيَّةُ وَهْمٌ... فَلِمَ تَفريقُ المسلمين؟!»

الحَمدُ للهِ وحده، والصّلاة والسَّلام على مَن لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد: فدعوةُ الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب دعوةٌ إصلاحيّةٌ، مقصدها تطهير الدِّينِ مِن الخُرافات والبدع المُحدثات، والرّجوع بالمسلمين إلى الدِّين الحقّ والاِستقامة عليهِ كما كان عليهِ الأَوَّلون مِن صالِحِ الأُمّة، شَأنُها في ذلك شَأنُ دَعواتِ الإصلاح عبرَ تاريخ الأُمّة الإسلاميّة قديمًا وحديثًا وإلى قيامِ السّاعة، مِصداقًا لحديثِ البشيرِ النَّذيرِ (صلى الله عليه وسلم):

«إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»[أبو داود]، ولقولِهِ (صلى الله عليه وسلم): «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»[مسلمٌ].

 وأمّا الإِمام الَّذِي تُنسب إليه الدّعوة، فهُو حاملُ رايةِ الإِصلاح المُجدِّدُ الشّيخُ محمّد بن عبد الوهاب (رحمه الله) الَّذِي عَرَفَ قِيمَتَهُ المُصلحون في بلاد الإِسلام، فوَصَفُوهُ بالمُصلِح والمُجدِّد والإِمام، ولَا غَرْوَ في ذلك؛ إِذ لَا يَعرفُ قِيمةَ المُصلِح إلَّا المُصلِحون، لذا دافع عنهُ الشّيخ محمّد رشيد رضا (رحمه الله)  باعِث النَّهضة الدِّينيّة في مصر، وأَنصفهُ الإِمام ابن باديس (رحمه الله) رائِد الإِصلاح في الجزائر، والدّكتور تقيّ الدِّين الهلاليّ المغربيّ (رحمه الله) وغيرهم، وأَنصفهُ المُؤرِّخون العرب ممَّن عَايَنُوا بأنفُسِهم واقعَ دعوتِه وسَجَّلُوا مُشاهداتِهِم بعَينِ الإِنصاف؛  أمثال الجَبَرتي (رحمه الله)، والسَّلاويّ المغربيّ المالكيّ (رحمه الله) وغيرهم، وقال عنهُ الزِّركليّ (رحمه الله): «محمّد بن عبد الوهّاب بن سليمان التَّميميّ النَّجديّ: زَعِيمُ النَّهضةِ الدِّينيّة الإِصلاحيّة الحَدِيثة في جزيرة العَرَب»[«الأَعلام» (6/257)].

ولكِن شاءَ اللهُ تعالى أَن تُلاقيَ دعواتُ الإِصلاح إلى الدِّين الحقّ والاِستقامة عليه - ومِنها دعوة الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب- عداواتٍ مِن مُناوِئِيها وحَرْبًا على أصحابها، كما قَالَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:20]، قال ابنُ جُزَيٍّ المالكيّ (رحمه الله): «هذا خِطَابٌ لجَمِيعِ النَّاسِ لاِختلافِ أَحوالهم، فالغنيُّ فِتنةٌ للفَقِير، والصَّحيحُ فِتنةٌ للمَرِيض، والرَّسُولُ فِتنةٌ لغَيرِهِ مِمَّن يَحْسُدُهُ ويَكْفُرُ بِهِ».

والأَصلُ الَّذِي يَجمعُ أَعداءَ الإِصلاح: تَشَابُهُ قُلُوبِهِم وغِيَابُ عُقُولِهِم عَن إِدراكِ الحَقَائِقِ وتَبَصّر الهِدَايَةِ، بسَبَبِ غَلَبَةِ العَوَائِد، والتَّعَصُّب الأَرْعَن، وبِيئَة الجَهل الَّتِي يَنشأُ فِيها صاحبُها على التَّسليمِ لِكُلِّ رأيٍ ولُزُومِ كُلِّ مُحدثةٍ مِن غيرِ حِرصٍ على تَحَرِّي الصَّوَاب.

والمُتَتَبِّعُ للدَّعَاوَى الَّتِي رَمَاهَا المُنَاوِئُون مِن غيرِ رَامٍ يَجِدُها بعيدةً عن المنهجِ العِلميِّ القَائِمِ على استحضارِ مَذهبِ الخَصمِ وحُجَّتِهِ، ثُمّ الرّدّ عليهِ بما هُو مُقتَضَى الدَّلِيل، وجُملتُها تَنحصِرُ في مَسائِلَ تَوَلَّى إِمامُ الدَّعوةِ بنفسِهِ، وكذا مَن جَاءَ بعدهُ مِن أبنائِهِ وتلامذته الإِجابةَ عليها، وبيانَ وَجهِ الاِفتراءِ والتَّحامُل مِن أصحابِهَا. ولَو وَقَفَ هؤلاءِ الخُصُومُ بإِنصافٍ وتَجَرُّدٍ على أَقوالِ الشَّيخِ وكتاباتِهِ ولَامَسُوا بأنفُسِهِم واقعَ الدَّعوةِ في تلكُم البلاد لَمَا كانَ مِنهُم ما كان، والدَّلِيلُ على ذلك: أَنَّ سُلطان المغرب في ذلك الزَّمان المولى سُليمان (رحمه الله) سمع بدعوةِ الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب وما يُثَارُ حولها مِن شُبُهاتٍ وافتِراءاتٍ بعدَ أَن وصلهُ كتابٌ مِنهُم، فأَرسلَ بجوابِ ذلك الكتاب مع ولدِهِ، الَّذِي سافر مع بعضِ العُلماء إلى الحجاز، حَجّ عام 1226هـ، لِيَقِفَ بنفسِهِ على دعوةِ القوم وغاياتهم، فعاد الوَفدُ إليهِ بالثَّناءِ الجميل والذِّكرِ الحَسَن، وما كان ذلك يَتَحَقَّقُ لولا فَضلُ اللهِ تعالى ثُمّ الرَّغبةُ في تَبَصُّرِ الحَقِّ ومَعرفةِ الأَمر، وقَد أَوردَ المُؤَرِّخُ المغربيُّ المالكيّ شهاب الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن خالد بن محمّد النَّاصريّ الدَّرعيّ الجعفريّ السَّلَاويّ (المتوفَّى: 1315هـ) ما دَارَ بين علماء المغرب رحمهم الله يَتَقَدَّمُهُم ابنُ السُّلطان أبو إسحق إبراهيم (رحمه الله)، وبين عُلماء الحجاز ونَجْدٍ رحمهم الله يَتَقَدَّمُهُم أميرُ الحجاز آنذاك (رحمه الله)، وممَّا جاء في ذلك الحِوار ما نَصُّهُ:

 «حَكَى صَاحب «الجَيْش» أَنَّ المَولى إِبْرَاهِيم ذهب إِلَى الحَجّ واسْتَصْحَبَ مَعَهُ جَوَاب السُّلطَان فَكَانَ سَببًا لتَسهيلِ الأَمرِ عَلَيْهِم وعَلى كُلِّ مَن تَعَلَّقَ بهِم مِن الحُجَّاج شرقًا وغربًا، حَتَّى قَضَوا مَنَاسِكَهُم وزيارتهم على الأَمْنِ والأَمَان وَالبرِّ وَالإِحْسَان، قَالَ: حَدَّثنَا جماع وافرةٌ مِمَّن حَجَّ مَعَ المَولى إِبْرَاهِيم فِي تِلكَ السَّنة، أَنَّهُم مَا رَأَوْا مِن ذَلِك السُّلْطَان –يَعْنِي: ابْن سعود- مَا يُخَالِفُ مَا عرفوهُ مِن ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا شَاهَدُوا مِنْهُ وَمِن أَتْبَاعِهِ غَايَةَ الاِسْتقَامَة وَالقِيَام بشَعَائِرِ الإِسْلَام؛ مِن صَلَاةٍ وطهارةٍ وَصِيَامٍ وَنهيٍ عَن المُنكر الحَرَام، وتَنقِية الحَرَمَيْنِ الشَّريفين مِن القاذُورات والآثام الَّتِي كَانَت تُفعَلُ بِهِما جِهَارًا مِن غيرِ نَكِيرٍ، وَذكَرُوا أَنَّ حَالَهُ كَحَالِ آحَادِ النَّاسِ؛ لَا يَتَمَيَّزُ عَن غَيرِهِ بزِيٍّ وَلَا مَركُوبٍ ولَا لِباسٍ، وَأَنَّهُ لمَّا اجْتمَعَ بالشَّريف المَولى إِبْرَاهِيم أظهر لَهُ التَّعْظِيمَ الوَاجِبَ لِأَهلِ البَيْتِ الكَرِيم، وَجلسَ مَعَهُ كجُلُوسِ أحدِ أَصْحَابِهِ وحاشيته، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الكَلَامَ مَعَهُ هُوَ الفَقِيهُ القَاضِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الزّداغي، فَكَانَ مِن جُملَةِ مَا قَالَ ابْنُ سعودٍ لَهُم: إِنَّ النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّنَا مُخَالِفُونَ للسُّنَّةِ المُحَمَّديّة، فَأَيّ شَيْءٍ رَأَيْتُمُونَا خَالَفْنَا مِن السُّنّة وَأيَّ شَيْءٍ سمعتُمُوهُ عَنَّا قبلَ اجتماعِكُم بِنَا؟ فَقَالَ لَهُ القَاضِي: بَلَغَنَا أَنَّكُمْ تَقولُونَ بالاِستواءِ الذَّاتيّ المستلزِمِ لِجِسمِيَّةِ المُستَوِي، فَقَالَ لَهُم: معَاذَ الله، إِنَّمَا نقُولُ كَمَا قَالَ مَالكٌ: «الاِسْتوَاءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنهُ بِدعَةٌ»، فَهَل فِي هَذَا مِن مُخَالفَةٍ؟ قالوا: لَا، وبمِثلِ هَذَا نقُولُ نَحنُ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ القَاضِي: وبَلَغَنَا عَنْكُم أَنَّكُمْ تَقولُونَ بِعَدَمِ حَيَاة النَّبِي (صلى الله عليه وسلم) وحياةِ إِخوانِهِ مِن الأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي قُبُورهم، فَلَمَّا سَمِعَ ذِكرَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) ارتَعَدَ وَرفَعَ صَوتَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَعَاذَ الله، إِنَّمَا نقُولُ إِنَّهُ (صلى الله عليه وسلم) حَيٌّ فِي قَبرِهِ وَكَذَا غَيرُهُ مِن الأنبياء حَيَاةً فَوقَ حَيَاةِ الشُّهَدَاء، ثُمَّ قَالَ لَهُ القَاضِي: وبَلَغَنَا أَنَّكُمْ تمْنَعُونَ مِن زيارتِهِ (صلى الله عليه وسلم) وزيارةِ سَائِر الأَمْوَاتِ مَعَ ثُبُوتهَا فِي «الصِّحَاح» الَّتِي لَا يُمكِنُ إِنكارُهُا، فَقَالَ: مَعَاذ الله أَن نُنكِرَ مَا ثَبَتَ فِي شَرعِنَا، وَهل مَنَعْنَاكُم أَنْتُم لمَّا عَرفنَا أَنَّكُمْ تَعرفُون كيفيَّتَها وآدابَهَا، وَإِنَّمَا نمْنَعُ مِنْهَا العَامَّةَ الَّذِينَ يُشرِكونَ العُبُودِيَّة بالأُلُوهيّة وَيطْلبُونَ مِن الأَمْوَات أَن تَقضي لَهُم أَغراضَهُم الَّتِي لَا تَقضِيهَا إِلَّا الرُّبوبيّة، وَإِنَّمَا سَبِيلُ الزِّيَارَةِ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ المَوْتَى وتَذَكّر مَصِير الزَّائِر إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ المَزُور، ثُمَّ يَدْعُو لَهُ بالمغفرة .... وَلمَّا كَانَ العَوامّ فِي غَايَةِ البُعد عَن إِدْرَاك هَذَا المَعْنى مَنَعْنَاهُم سَدًّا للذَّريعةِ، فَأَيّ مُخَالفَةٍ للسُّنّةِ فِي هَذَا القَدر انتهى. ثُمَّ قَالَ صَاحبُ «الجَيْش»: هَذَا مَا حَدَّثَ بِهِ أُولَئِكَ المذكُورُون، سَمِعْنَا ذَلِكَ مِن بَعضِهِم جمَاعَةً، ثُمَّ سَأَلنَا البَاقِي أَفرادًا، فاتَّفَقَ خَبرُهُم على ذَلِك انتهى»[«الاِستقصا لأَخبارِ دُولِ المغرب الأقصى» (3/121-122)].

 والنَّتِيجةُ أَنَّ دَعوةَ الإِمام مُحمّد بن عبد الوهّاب دعوةٌ إلى إِصلاحِ ما لَحِقَ بالمُسلِمين مِن خُرافاتٍ ومُحدثاتٍ عَلِقَت بهِم، مع تَرَاكُمِ الأَحداث وتَوَالِي النَّكَبَات، لاِنحِسَارِ العُلماءِ الرَّبَّانيِّين مِن جهةٍ، ولِنَشَاطِ أَعداءِ الدِّينِ في احتلالِ أرض ِالمسلمين وبَثّ الشُّكُوكِ والشُّبُهات حَولَ دِينِهِم وتَشجِيعِ البِدعِ والدَّجَلِ بينَ صُفُوفهِم، ولَا أَدَلَّ على ذلك مِن قِيامِهِم برَمْيِ دُعاةِ الإِصلاحِ ورُوَّادِهِ في بلاد المسلمين بكُلِّ قَبِيحٍ، ونَبْزِهِم بكُلِّ شَنِيعٍ، ومُحَاوَلَةِ التَّنكِيلِ بهِم وإِبعادهِم عن مُجتمعاتهِم، وتَشجِيعِ أَدعياءِ العِلم والصَّلَاحِ عليهِم، وهذا كَمَا قَدَّمتُ يَحْدُثُ مَعَ كُلِّ دَاعٍ إلى الحَقِّ، وقَد استَدَلَّ الشّيخُ ابنُ باديسٍ على ذلك بما حَدَثَ للمُصلِحِين مِن قِبَلِ أَعدائِهِم في التَّاريخ الإِسلاميّ، واستَشْهَدَ بما ذَكَرَهُ الإِمامُ الشَّاطبيُّ المالكيُّ عن نفسِهِ (رحمه الله)، حِينَمَا تَحَوَّلَ إلى السُّنَّةِ ولُزُومِهَا وتَرْكِ البِدعِ وذَمِّهَا،  فقالَ ابنُ باديسٍ  (رحمه الله):

«وبَينَ أَيدِينَا الآنَ كتابُ «الاِعتصام» (1/20-25) لمُؤَلِّفِه عَلَّامة المعقُول والمنقُول أبي إسحاق الشَّاطبيّ المالكيّ المتوفَّى سنة 790، فرَأَينَا أَن نَنقُلَ مِنهُ الفَصلَ التَّالي الَّذي يَذكُرُ فيهِ أَبُو إسحاق مَا رُمِيَ بِهِ مِن مِثلِ مَا رُمِينَا بِهِ حَتَّى كَأَنَّا في زَمَانٍ واحِدٍ، قالَ (رحمه الله): «فَلَمَّا أَردتُ الاِستقامةَ على الطَّرِيق، وَجَدْتُ نَفْسِي غَرِيبًا فِي جُمْهُورِ أَهْلِ الوَقْتِ، لِكَوْنِ خُطَطِهِمْ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا العَوَائِدُ، وَدَخَلَتْ عَلَى سُنَنِهَا  الأَصْلِيَّةِ شَوَائِبُ مِنَ المُحْدَثَاتِ الزَّوَائِدِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِدْعًا فِي الأَزْمِنَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَكَيْفَ فِي زَمَانِنَا هَذَا؟ ...... إِلَى مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ المُحْدَثَاتِ تَدْخُلُ فِي المَشْرُوعَاتِ، وَأَنَّ ذلك قَد كَانَ قَبلَ زَمَانِنَا، وأَنَّها تَتَكَاثَرُ عَلَى تَوَالِي الدُّهُورِ إِلَى الآنَ.

فَتَرَدَّدَ النَّظَرُ بَيْنَ أَنْ أَتَّبِعَ السُّنَّةَ عَلَى شَرْطِ مُخَالَفَةِ مَا اعْتَادَ النَّاسُ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ نَحوٍ مِمَّا حَصَلَ لمُخَالِفِي العَوَائِد، لَا سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى أَهْلُهَا أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُوَ السُّنَّةُ لَا سِوَاهَا، إِلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ العِبْءِ الثَّقِيلِ مَا فِيهِ مِنَ الأَجْرِ الجَزِيلِ، وَبَيْنَ أَنْ أَتْبَعَهُمْ عَلَى شَرْطِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فَأَدْخُلَ تَحْتَ تَرْجَمَةِ الضُّلَّالِ، عَائِذًا بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنِّي أُوَافِقُ المُعْتَادَ، وَأُعَدُّ مِنَ المُؤَالِفِينَ  لَا مِنَ المُخَالِفِينَ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الهَلَاكَ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ هُوَ النَّجَاةُ، وَأَنَّ النَّاسَ لَنْ يُغْنُوا عَنِّي مِنَ اللهِ شَيْئًا، فَأَخَذْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ التَّدْرِيجِ فِي بَعْضِ الأُمُورِ، فَقَامَتْ عَلَيَّ القيامةُ، وتَوَاتَرَت  المَلَامَةُ، وفَوَّقَ  إِلَيَّ العِتَابُ سِهَامَهُ، وَنُسِبْتُ إِلَى البِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَأُنْزِلْتُ مَنْزِلَةَ أَهْلِ الغَبَاوَةِ وَالجَهَالَةِ، وَإِنِّي لَوِ الْتَمَسْتُ لِتِلْكَ المُحْدَثَاتِ مَخْرَجًا لَوَجَدْتُ، غَيْرَ أَنَّ ضِيقَ العَطَنِ، وَالبُعْدَ عَنْ أَهْلِ الفِطَنِ، رَقَى بِي  مُرْتَقًى صَعْبًا، وَضَيَّقَ عَلَيَّ مَجَالًا رَحْبًا، وَهُوَ كَلَامٌ يُشِيرُ  بِظَاهِرِهِ إِلَى أَنّ اتّباع المُتَشَابِهَاتِ، لِمُوَافَقَاتِ العَادَاتِ، أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ الوَاضِحَاتِ، وَإِنْ خَالَفَتِ السَّلَفَ الأَوَّلَ.

وَرُبَّمَا أَلَمُّوا  فِي تَقْبِيحِ مَا وَجَّهْتُ إِلَيْهِ وِجْهَتِي، بِمَا تَشْمَئِزُّ منه القلوب، أو صَرَّحُوا  بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الفِرَقِ الخَارِجَةِ عَنِ السُّنَّةِ شَهَادَةً سَتُكْتَبُ وَيُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَة، فَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى القَوْلِ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَنْفَعُ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، كَمَا يُعْزَى إِلَى بَعْضِ النَّاسِ؛ بِسَبَبِ أَنِّي لَمْ أَلْتَزِمِ الدُّعَاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الإِمَامَةِ، وَسَيَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ مِنَ المُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ وَلِلسَّلَفِ الصَّالِحِ وَالعُلَمَاءِ ...إلى آخِرِ ما قَالَ» [«آثار ابن باديس» (3/29-31)].

 

والبَاحِثُ المُتَجَرِّدُ في عَصرِنا الحاضِر يَتَطَلَّبُ مِنهُ المَنهجُ العِلميُّ النَّظَر في الدَّعَاوَى الَّتِي أُلصِقَت بدَعوةِ الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب (رحمه الله)، ومَوقِفِه مِنها، ثُمّ النَّظَر في مَدَى انتِشارِها أو عَدَمِها في الواقع الدِّينيِّ والتَّعليميِّ والاِجتماعيِّ في البلاد الَّتِي نَهضت على دَعوتِهِ وإِصلاحِهِ، ليَخلُصُ بِهِ فِكرُهُ ونَظَرُهُ إلى أَنَّ دَعوةَ الشَّيخِ تَجْدِيدِيَّةٌ ولَيست مُحدَثَةً جَديدةً، وفَرقٌ بينَ الحَالَين، وقد عَايَشْنَا مَرحلةً مِن الزَّمَنِ لَامَسْنَا في جامعاتِهَا  في تِلكَ البِلاد نَشاطًا عِلميًّا ومَناهِجَ دِراسيّة تَقُومُ على تَبَنِّي عَقيدةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعة، والمُعتَمَدُ في ذلك كتابُ «العَقيدةِ الطَّحاويّة» للإِمام الطَّحاويّ الحنفيّ وشرحها للإِمام ابن أبي العِزِّ الحنفيّ (رحمه الله)، ودِراسة فقه المذاهب الأربعة، والمُعتَمَد فيهِ كتابُ «بداية المجتهِد ونهاية المقتصِد» لابن رشد الحفيد المالكيّ (رحمه الله)، كما شَاهَدنَا رَصِيدًا مِن الرَّسَائل والبُحُوث العِلميَّة الَّتِي أَنجزَهَا طُلَّابُها وأَساتذتُها، وكُلُّها في خِدمةِ العِلمِ وأَهلِهِ على مَنهجِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعة وفِقهِ عُلماءِ الأُمَّةِ كأبي حنيفة ومالك والشّافعيِّ وأحمد رَحِمَ اللهُ الجميع، مِمَّا قَلَّ نَظِيرُهُ في جامعاتٍ أُخرى، وعَايَشْنَا في الحَرَمَينِ دُرُوسًا لعُلماءَ مِن مُختلفِ المذاهبِ الأربعةِ وكُتُبُهم تُدَرَّسُ للطَّلَبَةِ والزَّائِرِين لِلمَسجِدَين شَرَّفَهُمَا اللهُ، فأُلقِيت دُرُوسٌ في شرحِ «الرِّسالةِ» ومُقَدِّمَتِها لابنِ أبي زيدٍ (رحمه الله) على يَدِ عُلماءَ حنابلة ومالكيّة، وكذا «المُوَطّأ» لمالكٍ (رحمه الله)، و«مُختصر خليل» و«مَتن الأخضريّ» وغيرِهِ مِن المُتُون والشُّرُوح، وفُسِحَ المجالُ لطُلَّابِ الجامعةِ في المسجد النَّبويِّ بإِلقاءِ دُرُوسٍ فِقهيّةٍ للحُجَّاجِ والزَّائِرِين بمُختلف اللُّغات واللَّهجات، لِيَفهَمَ عنهُم أَهلُ بلدِهِم، مِمَّا يُجمِعُ المُنصِفُون على أَنَّ الحَالَ غَيرُ الدَّعوى، ولكِن يَبقى الكمالُ للهِ وحدهُ والعِصمةُ لرَسُولِهِ (صلى الله عليه وسلم)، فَلَا نَغلُو فِيهِم، ولَا نَرفعُهُم مَقامًا هُم حَذَّرُوا مِن الإِفراطِ فِيهِ، ولكِن نَنظُرُ إِليهِم بعَينِ الإِنصافِ، وغُلُوٌّ مِمَّن انتَسَبَ إلى دَعوتِهِم لَا يُلْصَقُ بدَعوتِهِم لِسَبْقِ البَيَانِ والإِعذَارِ مِن عُلمائِهِم، وأَحسَبُ أَنَّ أَخَانَا الفَاضِلَ البَاحِثَ سمير سمراد قَد أَتَى عَلَى مَا ذَكَرتُ وزِيَادة، فبَارَكَ اللهُ في جُهدِهِ وزَادَهُ مِن فَضلِهِ، وعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ.

المدينة المنوَّرة في ذِي القَعدة 1434هـ.

 

  • كتب المقال: المشرف العام
  • التصنيف: العلماء والدعاة
  • أضيف المقال بتاريخ: الثلاثاء, 17 تشرين2/نوفمبر 2015
  • عدد الزوار: 1107

التعليقات (0)

أكتب تعليق

أنت تعلق بصفتك زائر